النوع السادس والثلاثون: معرفة المحكم من المتشابه
vol. 2 · p. 111
وسلم يعلم ضرورة وكونه معجزا يعلم بالاستدلال وهذا المذهب يحكى عن المخالفين والذي نقوله إن الأعجمي لا يمكنه أن يعلم إعجازه إلا استدلالا وكذلك من ليس ببليغ فأما البليغ الذي أحاط بمذاهب العرب وغرائب الصنعة فإنه يعلم من نفسه ضرورة عجزه وعجز غيره عن الإتيان بمثله
مسألة في الحكمة في تنزيه النبي عليه السلام عن الشعر
قيل: للحكمة تنزيه الله تعالى نبيه صلى الله عليه وسلم عن الشعر وجوه:
أحدها: أنه سبحانه أخبر عن الشعراء بأنهم في كل واد يهيمون وأنهم يقولون مالا يفعلون وأن للشعر شرائط لا يسمى الإنسان بغيرها شاعرا كما قال بعضهم وقد سئل عن الشاعر فقال إن هزل أضحك وإن جد كذب فالشاعر بين كذب وإضحاك فنزه الله نبيه عن هاتين الخصلتين وعن كل أمر دنيء وإنا لا نكاد نجد شاعرا إلا مادحا ضارعا أو هاجيا ذا قذع وهذه أوصاف لا تصلح للنبي
والثاني: أن أهل العروض مجمعون كما قال ابن فارس على أنه لا فرق بين صناعة العروض وصناعة الإيقاع إلا أن صناعة الإيقاع تقسم الزمان بالنغم وصناعة العروض تقسمه
vol. 2 · p. 112
بالحروف المتنوعة فلما كان الشعر ذا ميزان يناسب الإيقاع والإيقاع ضرب من الملاهي لم يصلح ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم وقد قال: "لست من دد ولا دد مني"
وأما ما حكي عنه صلى الله عليه وسلم من ألفاظ الوزن فالجواب عنها من وجهين:
أحدهما: أنه لم يقصد بها الشعر ومن حقيقة الشعر قصده قال ابن فارس: الشعر كلام موزون مقفى دال على معنى ويكون أكثر من بيت لأنه يجوز اتفاق شطر واحد بوزن يشبه وزن الشعر من غير قصد والثاني: أنه صلى الله عليه سلم كان إذا أنشد شيئا من ذلك غيره
فصل في تنزيه الله القرآن عن أن يكون شعرا
مع أن الموزون في الكلام رتبته فوق رتبة المنظوم غير الموزون فإن كل موزون منظوم ولا عكس وقال تعالى: {وما علمناه الشعر وما ينبغي له إن هو إلا ذكر وقرآن مبين} فأعلم سبحانه أنه نزه القرآن عن نظم الشعر والوزن لأن القرآن مجمع الحق ومنبع الصدق وقصارى أمر الشاعر التحصل بتصوير الباطل في صورة الحق والإفراط في الإطراء والمبالغة في الذم والإيذاء دون إظهار الحق وإثبات الصدق منه كان بالعرض ولهذا قال تعالى: {وما هو بقول شاعر} أي كاذب ولم يعن أنه