تابع النوع السادس والأربعون
vol. 3 · p. 124
فيقدر آثروا الدار والإيمان ويبقى النظر في أنه أيهما أولى ترجيح الإضمار أو التضمين؟.
واختار الشيخ أبو حيان تفصيلا حسنا وهو: إن كان العامل الأول تصح نسبته إلى الاسم الذي يليه حقيقة كان الثاني محمولا على الإضمار لأنه أكثر من التضمين نحو: [يجدع الله أنفه وعينيه] ،أي ويفقأ عينيه فنسبة الجدع إلى الأنف حقيقة وإن كان لا يصح فيه ذلك كان العامل مضمنا معنى ما يصح نسبته إليه لأنه لا يمكن الإضمار كقولهم:
*علفتها تبنا وماء باردا*
وجعل ابن مالك من هذا القبيل قوله تعالى: {اسكن أنت وزوجك الجنة} قال: لأن فعل أمر المخاطب لا يعمل في الظاهر فهو على معنى: [اسكن أنت ولتسكن زوجك] لأن شرط المعطوف أن يكون صالحا لأن يعمل فيه ما عمل في المعطوف عليه وهذا متعذر هنا لأنه لا يقال: [اسكن زوجك] .
ومنه قوله تعالى: {لا تضار والدة بولدها ولا مولود} ولا يصح أن يكون [مولود] معطوفا على [والدة] لأجل تاء المضارعة أو للأمر فالواجب في ذلك أن تقدر مرفوعا بمقدر من جنس المذكور أي ولا يضار مولود له.
وقوله تعالى: {والطير} ، قال الفراء: التقدير: [وسخرنا له الطير] عطفا على قوله: {فضلا} وقيل: هو مفعول معه، ومن رفعه فقيل: على المضمر في [آتى] ،.
vol. 3 · p. 125
وجاز ذلك لطول الكلام بقوله: [معه] ، وقيل: بإضمار فعل أي ولتؤوب معه الطير.
الخامس: أن يقتضي الكلام شيئين فيقتصر على أحدهما لأنه المقصود، كقوله تعالى حكاية عن فرعون: {فمن ربكما يا موسى} ولم يقل: وهارون لأن موسى المقصود المتحمل أعباء الرسالة كذا قاله ابن عطية.
وغاص الزمخشري فقال: أراد أن يتم الكلام فيقول: [وهارون] ولكنه نكل عن خطاب هارون توقيا لفصاحته وحدة جوابه ووقع خطابه إذ الفصاحة تنكل الخصم عن الخصم للجدل وتنكبه عن معارضته.
السادس: أن يذكر شيئان ثم يعود الضمير إلى أحدهما دون الآخر، كقوله تعالى: {وإذا رأوا تجارة أو لهوا انفضوا إليها} قال الزمخشري: تقديره: إذا رأوا تجارة انفضوا إليها أو لهوا انفضوا إليه فحذف أحدهما لدلالة المذكور عليه.
ويبقى عليه سؤال وهو أنه لم أوثر ذكر التجارة؟ وهلا أوثر اللهو؟.
وجوابه ما قال الراغب في تفسير سورة البقرة: إن التجارة لما كانت سبب انفضاض الذين نزلت فيهم هذه الآية أعيد الضمير إليها. ولأنه قد تشغل التجارة عن العبادة ما لا يشغله اللهو.
واختلف في مواضع: منها قوله تعالى: {والذين يكنزون الذهب والفضة ولا ينفقونها في سبيل الله} ،فإنه سبحانه ذكر الذهب والفضة وأعاد الضمير.