Skip to content

Books to be read, not browsed

النوع السادس والأربعون: في أساليب القرآن وفنونه البليغة — البرهان في علوم القرآن

From ⁧البرهان في علوم القرآن⁩ by ⁧أبو عبد الله بدر الدين محمد بن عبد الله بن بهادر الزركشي⁩ — leaf 1,026 of 1,926.

النوع السادس والأربعون: في أساليب القرآن وفنونه البليغة

vol. 3 · p. 19

وإن ربك لهو العزيز الرحيم} في ثمانية مواضع لأجل الوعظ فإنه قد يتأثر بالتكرار من لا يتأثر بالمرة الواحد.

وأما قوله: {إن في ذلك لآية} فذلك لظهور آيات الأنبياء عليهم السلام والعجب من تخلف من لا يتأملها مع ظهورها.

وأما مناسبة قوله: {العزيز الرحيم} فإنه تعالى نفى الإيمان عن الأكثر، فدل بالمفهوم على إيمان الأقل فكانت العزة على من لم يؤمن والرحمة لمن آمن وهما مرتبتان كترتيب الفريقين. ويحتمل أن يكون من هذا النوع قوله تعالى: {كلا سوف تعلمون ثم كلا سوف تعلمون} الآية، لأن علمهم يقع أولا وثانيا على نوعين مختلفين بحسب المقام وهذا أقرب للحقيقة الوضعية وحال المعبر عنه فإن المعاملات الإلهية للطائع والعاصي متغيرة الأنواع الدنيوية البرزخية ثم الحشرية كما أن أحوال الاستقرار بعد الجميع في الغايقة بل كل مقام من هذه أنواع مختلفة وفي [ثم] دلالة على الترقي إن لم يجعل الزمان مرتبا في الإنذار على التكرار وفي المنذر به على التنويع.

ومنه تكرار: {فذوقوا عذابي ونذر} قال الزمخشري: كرر ليجدوا عند سماع كل نبإ منها اتعاظا وتنبيها وأن كلا من تلك الأنباء مستحق باعتبار يختص به وأن يتنبهوا كيلا يغلبهم السرور والغفلة ومنه قوله تعالى قل يأيها الكافرون لا أعبد ما تعبدون إلى آخرها.

vol. 3 · p. 20

يحكى أن بعض الزنادقة سأل الحسن بن علي رضي الله عنه عن هذه الآية فقال: إني أجد في القرآن تكرارا وذكر له ذلك فأجابه الحسن بما حاصله: إن الكفار قالوا: نعبد إلهك شهرا ونعبك آلهتنا شهرا فجاء النفي متوجها إلى ذلك والمقصود أن هذه ليست من التكرار في شيء بل هي بالحذف والاختصار أليق وذلك لأن قوله: {لا أعبد ما تعبدون} ، أي لا أعبد في المستقبل ما تعبدون في المستقبل وقوله: {ولا أنا عابد ما عبدتم} ،أي ولا أنا عابد في الحال ما عبدتم في المستقبل {ولا أنتم عابدون} في الحال ما أعبد في المستقبل.

والحاصل أن القصد نفي عبادته لآلهتهم في الأزمنة الثلاثة الحال والماضي والاستقبال والمذكور في الآية النفي في الحال والاستقبال وحذف الماضي من جهته ومن جهتهم ولا بد من نفيه لكنه حذف لدلالة الأولين عليه.

وفيه تقدير آخر وهو أن الجملة الأولى فعلية والثانية اسمية وقولك: لا أفعله، ولا أنا فاعله، أحسن من قولك لا أفعله، ولا أفعله. فالجملة الفعلية نفي لإمكانه والاسمية لانصافه كما في قوله تعالى: {وما أنت بهادي العمي عن ضلالتهم} . {وما أنت بمسمع من في القبور} . والمعنى أنه تبرأ من فعله ومن الاتصاف به وهو أبلغ في النفي وأما المشركون فلم ينتف عنهم إلا بصيغة واحدة، وهي قوله: {ولا أنتم عابدون ما أعبد} في الموضعين.

وفرق آخر وهو أنه قال في نفيه الجملة الاسمية: {ولا أنا عابد ما عبدتم} وقال في النفي عنهم: {ولا أنتم عابدون ما أعبد} عائد في حقه بين الجملتين وقال لا أعبد ما تعبدون بالمضارع وفي الثاني: {ولا أنا عابد ما عبدتم} بالماضي فإن المضارع يدل على الدوام بخلاف الماضي فأفاد ذلك أن ما عبدتموه ولو مرة ما أنا عابد له البتة ففيه كمال.

Ed. Muhammad Abu al-Fadl Ibrahim — Dar Ihya' al-Kutub al-'Arabiyya, 'Isa al-Babi al-Halabi and Partners — 1st ed., 1376 AH - 1957 CE