Skip to content

Books to be read, not browsed

خطبة لقس بن ساعدة الأيادي — إعجاز القرآن للباقلاني

From ⁧إعجاز القرآن للباقلاني⁩ by ⁧أبو بكر الباقلاني محمد بن الطيب⁩ — leaf 73 of 104.

خطبة لقس بن ساعدة الأيادي

/ وأما البيت الثاني فمعدود من محاسن القصيدة (2) وبدائعها.

ومعناه: ما بكيت إلا لتجرحي قلبا معشرا - أي مكسرا - من قولهم: " برمة أعشار " إذا كانت قطعا (3) .

هذا تأويل ذكره الأصمعي (4) ، وهو أشبه عند أكثرهم.

وقال غيره: وهذا مثل للأعشار التي تقسم الجزور عليها.

ويعني بسهميك: المعلى، وله سبعة أنصباء، والرقيب، وله ثلاثة أنصباء.

فأراد أنك ذهبت بقلبي أجمع.

ويعني بقوله: مقتل: مذلل (5) .

وأنت تعلم أنه على ما يعني به فهو غير موافق للأبيات المتقدمة، لما فيها من التناقض الذي بينا.

ويشبه أن يكون من قال بالتأويل الثاني، فزع إليه لأنه رأى اللفظ مستكرها على المعنى الأول، لأن القائل إذا قال: " ضرب / فلان بسهمه في الهدف "، بمعنى أصابه - كان كلاما ساقطا مرذولا، وهو يرى أن معنى الكلمة أن عينيها كالسهمين النافذين في إصابة قلبه المجروح، فلما بكتا وذرفتا بالدموع كانتا ضاربتين في قلبه.

ولكن من حمل على التأويل الثاني سلم من الخلل الواقع في اللفظ، ولكنه يفسد المعنى ويختل (6) ، لانه إن كان محبا (7) - على ما وصف به نفسه من الصبابة - فقلبه كله لها، فكيف يكون بكاؤها هو الذى يخلص قلبه لها؟ ! واعلم بعد هذا أن البيت غير ملائم للبيت الأول، ولا متصل به في المعنى،

وهو منقطع عنه، لأنه لم يسبق كلام يقتضي بكاءها، ولا سبب يوجب ذلك، فتركيبة هذا الكلام على ما قبله في اختلال.

ثم لو (1) سلم له بيت من عشرين بيتا، وكان بديعا ولا عيب فيه - فليس بعجيب، لأنه لا يدعي على مثله أن كلامه كله متناقض، ونظمه كله متباين.

وإنما يكفي أن نبين أن ما سبق من كلامه إلى هذا البيت، مما لا يمكن أن يقال إنه يتقدم فيه أحدا من المتأخرين، فضلا عن المتقدمين.

/ وإنما قدم في شعره لأبيات قد برع فيها، وبان حذقه بها.

وإنما أنكرنا أن يكون شعره متناسبا مع الجودة، ومتشابها في صحة المعنى واللفظ، وقلنا: إنه يتصرف بين وحشى غريب مستنكر، وعربية كالمهمل مستكرهة (2) ، وبين كلام سليم متوسط، وبين عامي سوقي في اللفظ والمعنى، وبين حكمة حسنة، وبين سخف مستشنع.

ولهذا قال الله عز اسمه: (ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافا كثيرا) (3) .

* * * فأما قوله: وبيضة خدر لا يرام خباؤها * تمتعت من لهو بها غير معجل تجاوزت أحراسا وأهوال معشر * على حراص لو يسرون مقتلي (4) فقد قالوا: عني بذلك أنها كبيضة خدر في صفائها ورقتها، وهذه كلمة حسنة، ولكن لم يسبق إليها، بل هي دائرة في أفواه العرب، وتشبيه

سائر.

ويعني بقوله: " غير معجل ": أنه ليس ذلك مما يتفق قليلا وأحيانا، بل يتكرر له الاستمتاع بها، وقد يحمله (5) غيره على أنه / رابط الجأش، فلا (6)

يستعجل إذا دخلها خوف حصانتها (1) ومنعتها.

وليس في البيت كبير فائدة، لان (2) الذى حكى في سائر أبياته قد تضمن مطاولته في المغازلة واشتغاله بها، فتكريره في هذا البيت مثل ذلك قليل المعنى، إلا الزيادة التي ذكر من منعتها، وهو - مع ذلك - بيت سليم اللفظ في المصراع الأول دون الثاني.

والبيت الثاني ضعيف.

وقوله: " لو يسرون مقتلي " أراد أن يقول: لو أسروا، فإذا نقله إلى هذا ضعف ووقع في مضمار الضرورة، والاختلال على نظمه بين، حتى إن المتأخر ليحترز (3) من مثله.

* * * وقوله:

إذا ما الثريا في السماء تعرضت * تعرض أثناء الوشاح المفصل (4) قد أنكر عليه قوم قوله: " إذا ما الثريا في السماء تعرضت "، وقالوا: الثريا لا تتعرض (5) ، حتى قال بعضهم: سمى الثريا وإنما أراد الجوزاء، لأنها تعرض، والعرب تفعل ذلك، كما قال زهير: " كأحمر / عاد " (6) وإنما هو أحمر ثمود (7) .

وقال بعضهم في تصحيح قوله [إنما] تعرض: أول ما تطلع [وحين

تغرب] (1) ، كما أن الوشاح إذا طرح يلقاك بعرضه، وهو ناحيته (2) .

وهذا كقول الشاعر (3) : تعرضت لي بمجاز خل * تعرض المهرة في الطول (4) يقول: تريك عرضها وهى في الرسن.

/ وقال أبو عمرو: يعني إذا أخذت الثريا في وسط السماء، كما يأخذ الوشاح وسط المرأة.

والأشبه عندنا (5) : أن البيت غير معيب من حيث عابوه به، وأنه من محاسن هذه القصيدة، ولولا أبيات عدة فيه لقابله ما شئت من شعر غيره، ولكن لم يأت فيه بما يفوت الشأو، ويستولي على الامد.

أنت تعلم أنه ليس للمتقدمين ولا للمتأخرين في وصف شئ من النجوم مثل ما في وصف الثريا، وكل قد أبدع فيه وأحسن، فإما أن يكون قد عارضه أو زاد (6) عليه.

فمن ذلك قول ذي الرمة: وردت اعتسافا والثريا كأنها * على قمة الرأس ابن ماء محلق (7)

ومن ذلك قول ابن المعتز: وترى الثريا في السماء كأنها * بيضات أدحى يلحن بفدفد (1) وكقوله: كأن الثريا في أواخر ليلها * تفتح نور أو لجام مفضض (2) وقوله أيضا: فناولنيها والثريا كأنها * جنى نرجس حيى الندامى به الساقي (3) / وقول الأشهب بن رميلة: ولاحت لساريها الثريا كأنها * لدى الأفق الغربي فرط مسلسل (4) ولابن المعتز: وقد هوى النجم والجوزاء تتبعه * كذات قرط أرادته وقد سقطا (5) أخذه من ابن الرومي في قوله: طيب ريقه إذا ذقت فاه * والثريا بجانب الغرب قرط (6) ولابن المعتز: قد سقاني المدام وال * صبح بالليل مؤتزر والثريا كنور غص * ن على الأرض قد نثر (7) وقوله: وتروم الثريا * في السماء مراما (8)

كانكباب طمر * كاد يلقى لجاما ولابن الطثرية: إذا ما الثريا في السماء كأنها * جمان وهى من سلكه فتبددا (1) / ولو (2) نسخت لك كل ما قالوا من البديع في وصف الثريا - لطال عليك الكتاب، وخرج (3) عن الغرض، وإنما نريد أن نبين لك أن الإبداع في نحو هذا أمر قريب (4) ، وليس فيه شئ غريب.

وفي جملة ما نقلناه ما يزيد على تشبيهه (5) في الحسن، أو يساويه، أو يقاربه (6) .

فقد علمت أن ما حلق (7) فيه، وقدر المتعصب له أنه بلغ النهاية فيه - أمر مشترك، وشريعة مورودة، وباب واسع، وطريق مسلوك.

وإذا كان هذا بيت القصيدة، ودرة القلادة، وواسطة العقد وهذا محله (8) - فكيف بما تعداه؟ ! ثم فيه ضرب من التكلف، لأنه قال: " إذا ما الثريا في السماء تعرضت تعرض أثناء الوشاح "، فقوله: " تعرضت ": من الكلام الذى يستغنى عنه، لانه يشبه أثناء الوشاح [بالثريا] (9) ، سواء كان في وسط السماء، أو عند الطلوع والمغيب، فالتهويل بالتعرض، والتطويل بهذه الألفاظ، لا معنى له.

وفيه: أن الثريا كقطعة من الوشاح المفصل، فلا معنى لقوله " تعرض

أثناء الوشاح "، وإنما أراد أن يقول: تعرض قطعة من / أثناء الوشاح، فلم يستقم له اللفظ، حتى شبه ما هو كالشئ الواحد بالجمع (10) .

* * *

Ed. al-Sayyid Ahmad Saqr — Dar al-Ma'arif, Egypt — 5th ed., 1997 CE