Skip to content

Books to be read, not browsed

خطبة لقس بن ساعدة الأيادي — إعجاز القرآن للباقلاني

From ⁧إعجاز القرآن للباقلاني⁩ by ⁧أبو بكر الباقلاني محمد بن الطيب⁩ — leaf 72 of 104.

خطبة لقس بن ساعدة الأيادي

والبيت الثاني خال من المحاسن والبديع، خاو (4) من المعنى، وليس له لفظ يروق، ولا معنى يروع، من طباع (5) السوقة! فلا يرعك تهويله باسم موضع غريب.

* * * وقال: ويوم عقرت للعذارى مطيتي * فيا عجبا من رحلها المتحمل فظل العذارى يرتمين بلحمها * وشحم كهداب الدمقس المفتل / تقديره: اذكر يوم عقرت مطيتي، أو يرده (6) على قوله: " يوم بدارة جلجل "، وليس في المصراع الأول من هذا البيت إلا سفاهته (7) ! ! قال (8) بعض الأدباء: قوله " يا عجبا " يعجبهم من سفهه في شبابه: من نحره لهن (9) .

وإنما أراد أن لا يكون الكلام من هذا المصراع منقطعا عن الأول، وأراد أن يكون الكلام ملائما له.

وهذا الذي ذكره بعيد.

وهو منقطع عن الأول، وظاهره أنه يتعجب من

تحمل العذارى رحله! وليس في هذا تعجب كبير، ولا في نحر الناقة لهن تعجب! وإن كان يعنى به أنهن حملن رحله، وأن بعضهن حمله (1) ، فعبر عن نفسه برحله، فهذا قليلا يشبه أن يكون عجبا، لكن الكلام لا يدل عليه، ويتجافى عنه.

ولو سلم البيت من العيب لم يكن فيه شئ غريب (2) ، ولا معنى بديع، أكثر

من سفاهته (3) ، مع قلة معناه، وتقارب أمره، ومشاكلته طبع المتأخرين من أهل زماننا! / وإلى هذا الموضع لم يمر له بيت رائع، وكلام رائق.

وأما البيت الثاني فيعدونه حسنا، ويعدون التشبيه مليحا واقعا.

وفيه شئ: وذلك أنه عرف اللحم ونكر الشحم، فلا يعلم (4) أنه وصف شحمها، وذكر تشبيه أحدهما بشئ واقع [للعامة، ويجرى على ألسنتهم] (5) ! وعجز عن تشبيه القسمة الأولى فمرت مرسلة! وهذا نقص في الصنعة، وعجز عن إعطاء الكلام حقه.

وفيه شئ آخر من جهة (6) المعنى: وهو: أنه وصف طعامه الذي أطعم من أضاف بالجودة، وهذا قد يعاب.

وقد يقال: إن العرب تفتخر بذلك ولا يرونه عيبا، وإنما الفرس هم الذين يرون هذا عيبا شنيعا.

وأما تشبيه الشحم بالدمقس، فشئ يقع للعامة ويجرى على ألسنتهم، فليس بشئ قد سبق إليه، وإنما زاد " المفتل " للقافية، وهذا (7) مفيد، ومع ذلك فلست أعلم العامة تذكر هذه الزيادة، ولم يعد أهل الصنعة ذلك من البديع، ورأوه قريبا.

وفيه شئ آخر [من جهة المعنى (8) ] : وهو: أن تبجحه بما أطعم للأحباب مذموم، وإن سوغ التبجح بما أطعم للأضياف، إلا أن

/ يورد الكلام مورد المجون، وعلى طريق (1) أبي نواس في المزاح والمداعبة! * * * وقوله: ويوم دخلت الخدر خدر عنيزة * فقالت: لك الويلات إنك مرجلي تقول وقد مال الغبيط بنا معا: * عقرت بعيرى يا امرأ القيس فانزل قوله (2) : " دخلت الخدر خدر عنيزة "، ذكره تكريرا (3) لإقامة الوزن، لا فائدة فيه غيره، ولا ملاحة له ولا رونق! وقوله في المصراع الأخير من هذا البيت: " فقالت لك الويلات إنك مرجلي " كلام مؤنث من كلام النساء، نقله من جهته إلى شعره! وليس فيه غير هذا (4) ! ! وتكريره بعد ذلك: " تقول وقد مال الغبيط "، يعني قتب الهودج، بعد قوله: " فقالت لك الويلات إنك مرجلي ": لا فائدة فيه غير تقدير (5) الوزن! وإلا فحكاية قولها الأول كاف، وهو في النظم قبيح، لأنه ذكر مرة: " فقالت "، ومرة: " تقول "، في معنى واحد، وفصل خفيف! وفى مصراع الثاني أيضا تأنيث من كلامهن (6) .

/ وذكر أبو عبيدة أنه قال: " عقرت بعيري "، ولم يقل ناقتي، لأنهم يحملون النساء على ذكور الإبل، لانها أقوى.

وفى ذلك (7) نظر، لأن الأظهر أن البعير اسم للذكر والأنثى، واحتاج إلى ذكر البعير لإقامة الوزن (8) .

* * * وقوله: فقلت لها: سيري وأرخي زمامه * ولا تبعديني من جناك المعلل فمثلك حبلى قد طرقت ومرضع * فألهيتها عن ذى تمائم محول (9)

البيت الأول قريب النسج، ليس له معنى بديع، ولا لفظ شريف، كأنه من عبارات المنحطين في الصنعة (1) .

وقوله: " فمثلك حبلى قد طرقت "، عابه عليه أهل العربية ومعناه عندهم حتى يستقيم الكلام: فرب مثلك حبلى قد طرقت، وتقديره أنه زير نساء، وأنه يفسدهن ويلهيهن عن حبلهن ورضاعهن، لأن الحبلى والمرضعة أبعد من الغزل وطلب الرجال!

والبيت الثاني في الاعتذار والاستهتار (2) والتهيام، وغير منتظم مع المعنى الذي قدمه في البيت الأول، لأن تقديره: لا تبعديني عن نفسك فإني أغلب النساء، وأخدعهن عن رأيهن، وأفسدهن / بالتغازل! وكونه مفسدة لهن لا يوجب له وصلهن وترك إبعادهن إياه، بل يوجب هجره والاستخفاف به، لسخفه ودخوله كل مدخل فاحش، وركوبه كل مركب فاسد!.

وفيه من الفحش والتفحش ما يستنكف الكريم من (3) مثله، ويأنف من ذكره! ! * * * وقوله: إذا ما بكى من خلفها انصرفت له * بشق وتحتي شقها لم يحول (4) ويوما على ظهر الكثيب تعذرت * على وآلت حلفة لم تحلل فالبيت الأول غاية في الفحش، ونهاية في السخف، وأي فائدة لذكره لعشيقته كيف كان يركب هذه القبائح، ويذهب هذه المذاهب، ويرد هذه الموارد؟ ! إن هذا ليبغضه [إلى] (5) كل من سمع كلامه، ويوجب له المقت! وهو - لو صدق - لكان قبيحا، فكيف: ويجوز أن يكون كاذبا؟ ! ثم ليس في البيت لفظ بديع، ولا معنى حسن.

وهذا البيت متصل بالبيت الذي قبله، من ذكر المرضع التي لها ولد محول.

/ فأما البيت الثاني وهو قوله: " ويوما " يتعجب منه بأنها (1) تشددت وتعسرت (2) عليه وحلفت عليه، فهو كلام ردئ النسج، لا فائدة لذكره لنا أن حبيبته تمنعت عليه يوما بموضع يسميه ويصفه! وأنت تجد في شعر المحدثين من هذا الجنس في التغزل ما يذوب معه اللب، وتطرب عليه (3) النفس.

وهذا مما تستنكره النفس، ويشمئز منه القلب، وليس فيه شئ من الإحسان والحسن! ! * * * وقوله: أفاطم مهلا بعض هذا التدلل * وإن كنت قد أزمعت صرمي فأجملي أغرك مني أن حبك قاتلي * وإنك مهما تأمري القلب يفعل فالبيت الأول فيه ركاكة جدا، وتأنيث ورقة، ولكن فيها تخنيث! ولعل قائلا [أن] (4) يقول: إن كلام النساء بما يلائمهن من الطبع أوقع وأغزل؟ وليس كذلك، لأنك تجد الشعراء في الشعر المؤنث لم يعدلوا عن رصانة قولهم.

/ والمصراع الثاني منقطع عن الأول، لا يلائمه ولا يوافقه.

وهذا يبين لك إذا عرضت (5) معه البيت الذي تقدمه.

وكيف ينكر عليها تدللها، والمتغزل يطرب على دلال الحبيب وتدلله؟ والبيت الثاني قد عيب عليه (6) ، لأنه قد أخبر أن من سبيلها أن لا تغتر (7) بما يريها من أن حبها يقتله، وأنها تملك قلبه فما أمرته فعله، والمحب إذا أخبر عن مثل هذا صدق.

وإن كان المعنى غير هذا الذي عيب عليه، وإنما ذهب مذهبا آخر، وهو: أنه أراد أن يظهر التجلد - فهذا خلاف ما أظهر من نفسه فيما تقدم من الأبيات، من الحب والبكاء على الأحبة، فقد دخل في وجه آخر من المناقضة والاحاطة في الكلام.

ثم قوله: " تأمري القلب يفعل " معناه (1) تأمريني.

والقلب لا يؤمر.

والاستعارة في ذلك غير واقعة ولا حسنة (2) .

* * * / وقوله: فإن كنت قد ساءتك مني خليقة * فسلي ثيابي من ثيابك تنسل وما ذرفت عيناك إلا لتضربي * بسهميك في أعشار قلب مقتل البيت الأول قد قيل في تأويله: إنه ذكر الثوب وأراد البدن، مثل قول الله تعالى: (وثيابك فطهر) (3) .

وقال أبو عبيدة: هذا مثل للهجر.

وتنسل: تبين.

وهو بيت قليل المعنى، ركيكه ووضيعه.

وكل ما أضاف إلى نفسه ووصف به نفسه سقوط وسفه وسخف، يوجب (4) قطعه.

فلم لم يحكم على

نفسه بذلك، ولكن يورده مورد أن ليست له خليقة توجب هجرانه والتفصى (5) من وصله، وأنه مهذب الأخلاق، شريف الشمائل، فذلك يوجب أن لا ينفك من وصاله.

والاستعارة في المصراع الثاني فيها تواضع وتقارب، وإن كان غريبة (1) .

Ed. al-Sayyid Ahmad Saqr — Dar al-Ma'arif, Egypt — 5th ed., 1997 CE