خطبة أخرى لعلي رضي الله عنه
أما بعد، فإن الدنيا قد أدبرت وآذنت بوداع، وإن الآخرة قد أقبلت وأشرفت باطلاع، وإن المضمار اليوم، وغدا السباق.
ألا وإنكم في أيام مهل، ومن ورائه أجل، فمن أخلص في أيام مهله (6) فقد فاز، ومن قصر في أيام مهله (7) ، قبل حضور أجله، فقد خسر عمله، وضره أمله.
ألا فاعملوا لله في الرغبة، كما تعملون له في الرهبة.
ألا وإني لم أر كالجنة نام طالبها، ولا كالنار نام هاربها.
ألا وإنه من لم ينفعه الحق ضره (1) الباطل، ومن لم يستقم (2) به الهدى يجر به الضلال.
ألا وإنكم قد أمرتم بالظعن، ودللتم على (3) الزاد.
ألا وإن أخوف ما أخاف عليكم اتباع (4) الهوى، وطول الامل (5) .
* * * / وخطب رضى الله عنه، فقال بعد حمد الله:
أيها الناس، اتقوا الله، فما خلق امرؤ عبثا فيلهو، ولا أهمل سدى فيلغو، ما دنياه التي تحسنت إليه بخلف من الآخرة التي قبحها سوء النظر إليه، وما الخسيس الذي ظفر به - من الدنيا - بأعلى همته (6) ، كالآخر الذى ذهب (7) من الآخرة من سهمته (8) .
* * * وكتب علي رضي الله عنه إلى عبد الله بن عباس: رحمة الله عليهما، وهو بالبصرة: أما بعد، فإن المرء يسر (9) بدرك ما لم يكن ليحرمه، ويسوءه فوت ما لم يكن ليدركه، فليكن سرورك بما قدمت، من أجر أو منطق، وليكن أسفك فيما فرطت فيه من ذلك.
وانظر ما فاتك من الدنيا: فلا تكثر عليه جزعا، وما نلته: فلا تنعم به فرحا، وليكن همك لما بعد الموت (10) .