[فصل وهم ابن حزم أنه صلى الله عليه وسلم ساق الهدي مع نفسه وكان هدي تطوع]
vol. 3 · p. 37
هذا القول كأنهم أرادوا أن يجمعوا بين حديث شريك، وقوله: ثم استيقظت، وبين سائر الروايات، ومنهم من قال: بل كان هذا مرتين، مرة قبل الوحي؛ لقوله في حديث شريك: " وذلك قبل أن يوحى إليه "، ومرة بعد الوحي، كما دلت عليه سائر الأحاديث. منهم من قال: بل ثلاث مرات: مرة قبل الوحي، ومرتين بعده، وكل هذا خبط، وهذه طريقة ضعفاء الظاهرية من أرباب النقل الذين إذا رأوا في القصة لفظة تخالف سياق بعض الروايات جعلوه مرة أخرى، فكلما اختلفت عليهم الروايات عددوا الوقائع، والصواب الذي عليه أئمة النقل أن الإسراء كان مرة واحدة بمكة بعد البعثة.
ويا عجبا لهؤلاء الذين زعموا أنه مرارا، كيف ساغ لهم أن يظنوا أنه في كل مرة تفرض عليه الصلاة خمسين، ثم يتردد بين ربه وبين موسى حتى تصير خمسا، ثم يقول: " «أمضيت فريضتي، وخففت عن عبادي» "، ثم يعيدها في المرة الثانية إلى خمسين، ثم يحطها عشرا عشرا، وقد غلط الحفاظ شريكا في ألفاظ من حديث الإسراء، ومسلم أورد المسند منه ثم قال: فقدم وأخر وزاد ونقص، ولم يسرد الحديث، فأجاد رحمه الله.
فصل
في مبدأ الهجرة التي فرق الله فيها بين أوليائه وأعدائه، وجعلها مبدأ لإعزاز دينه، ونصر عبده ورسوله:
[وهم آخر لمن قال إنه لم يعين في إحرامه نسكا]
vol. 3 · p. 38
قال الواقدي: حدثني محمد بن صالح عن عاصم بن عمر بن قتادة ويزيد بن رومان وغيرهما قالوا: «أقام رسول الله صلى الله عليه وسلم بمكة ثلاث سنين من أول نبوته مستخفيا، ثم أعلن في الرابعة، فدعا الناس إلى الإسلام عشر سنين، يوافي الموسم كل عام، يتبع الحاج في منازلهم، وفي المواسم بعكاظ، ومجنة، وذي المجاز، يدعوهم إلى أن يمنعوه حتى يبلغ رسالات ربه ولهم الجنة، فلا يجد أحدا ينصره ولا يجيبه، حتى إنه ليسأل عن القبائل ومنازلها قبيلة قبيلة، ويقول: (يا أيها الناس قولوا: لا إله إلا الله تفلحوا، وتملكوا بها العرب، وتذل لكم بها العجم، فإذا آمنتم، كنتم ملوكا في الجنة " وأبو لهب وراءه يقول: لا تطيعوه، فإنه صابئ كذاب، فيردون على رسول الله صلى الله عليه وسلم أقبح الرد ويؤذونه، ويقولون: أسرتك وعشيرتك أعلم بك حيث لم يتبعوك، وهو يدعوهم إلى الله، ويقول: اللهم لو شئت لم يكونوا هكذا، قال: وكان ممن يسمى لنا من القبائل الذين أتاهم رسول الله صلى الله عليه وسلم ودعاهم وعرض نفسه عليهم: بنو عامر بن صعصعة، ومحارب بن حصفة، وفزارة، وغسان، ومرة، وحنيفة، وسليم، وعبس، وبنو النضر، وبنو البكاء، وكندة، وكلب، والحارث بن كعب، وعذرة، والحضارمة، فلم يستجب منهم أحد» ) .
فصل
( «وكان مما صنع الله لرسوله أن الأوس والخزرج كانوا يسمعون من حلفائهم