Skip to content

Books to be read, not browsed

الجواب عن تلك التخريجات — الطرق الحكمية في السياسة الشرعية

From ⁧الطرق الحكمية في السياسة الشرعية⁩ by ⁧محمد بن أبي بكر ابن قيّم الجوزية⁩ — leaf 300 of 553.

الجواب عن تلك التخريجات

والثاني: أن الآية منسوخة، وهذا مروي عن زيد بن أسلم وغيره .

والثالث: أن المراد بالشهادة فيها: أيمان الوصي بالله تعالى للورثة، لا الشهادة المعروفة .

قال القائلون بها: أما دعوى النسخ فباطلة ، فإنه يتضمن أن حكمها باطل، لا يحل العمل به، وأنه ليس من الدين، وهذا ليس # بمقبول إلا بحجة صحيحة لا معارض لها، ولا يمكن أحد قط أن يأتي بنص صحيح صريح متأخر عن هذه الآية مخالف لها لا يمكن الجمع بينه وبينها، فإن وجد إلى ذلك سبيلا صح النسخ، وإلا فما معه إلا مجرد الدعوى الباطلة، ثم قد قالت أعلم نساء الصحابة بالقرآن : إنه لا منسوخ في المائدة ، وقاله غيرها أيضا من السلف ، وعمل بها أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بعده ، ولو جاز قبول دعوى النسخ بلا حجة لكان كل من احتج عليه بنص يقول: هو منسوخ، وكأن القائل لذلك لم يعلم أن معنى كون النص منسوخا أن الله سبحانه حرم العمل به، وأبطل كونه من الدين والشرع، ودون هذا مفاوز تنقطع فيها الأعناق.

قالوا : وأما قول من قال: المراد بقوله: {من غيركم} أي من غير قبيلتكم، فلا يخفى بطلانه وفساده، فإنه ليس في أول الآية خطاب # لقبيلة دون قبيلة، بل هو خطاب عام لجميع المؤمنين، فلا يكون غير المؤمنين إلا من الكفار، هذا مما لا شك فيه، والذي قال من غير قبيلتكم : زلة عالم، غفل عن تدبر الآية .

وأما قول من قال: "إن المراد بالشهادة: أيمان الأوصياء للورثة" فباطل من وجوه :

أحدها: أنه سبحانه قال: {شهادة بينكم} ولم يقل: أيمان بينكم.

الثاني: أنه قال: {اثنان} واليمين لا تختص بالاثنين.

الثالث: أنه قال: {ذوا عدل منكم} واليمين لا يشترط فيها ذلك.

الرابع: أنه قال: {أو آخران من غيركم} [المائدة: 106] واليمين لا يشترط فيها شيء من ذلك.

الخامس: أنه قيد ذلك بالضرب في الأرض، وليس ذلك شرطا في اليمين.

السادس: أنه قال: {ولا نكتم شهادة الله إنا إذا لمن الآثمين} [المائدة: 106] وهذا لا يقال في اليمين في هذه # الأفعال ، بل هو نظير قوله: {ولا تكتموا الشهادة ومن يكتمها فإنه آثم قلبه} [البقرة: 283]

السابع: أنه قال: {ذلك أدنى أن يأتوا بالشهادة على وجهها} [المائدة: 108] ولم يقل: بالأيمان.

الثامن: أنه قال: {أو يخافوا أن ترد أيمان بعد أيمانهم} [المائدة: 108] فجعل الأيمان قسيما للشهادة، وهذا صريح في أنها غيرها.

التاسع: أنه قال: {فيقسمان بالله لشهادتنا أحق من شهادتهما} [المائدة: 107] فذكر اليمين والشهادة، ولو كانت اليمين على المدعى عليه لما احتاجا إلى ذلك، ولكفاهما القسم: أنهما ما خانا .

العاشر: أن الشاهدين يحلفان بالله {ولا نكتم شهادة الله} [المائدة: 106] ولو كان المراد بها اليمين، لكان المعنى: يحلفان بالله لا نكتم اليمين، وهذا لا معنى له ألبتة، فإن اليمين لا تكتم، فكيف يقال: احلف أنك لا تكتم حلفك؟

الحادي عشر: أن المتعارف من لفظ "الشهادة" في القرآن والسنة: إنما هو الشهادة المعروفة، كقوله تعالى: {وأقيموا الشهادة لله} [الطلاق: 2]، وقوله: {واستشهدوا شهيدين من رجالكم} [البقرة: 282] , وقوله: {وأشهدوا ذوي عدل منكم} [الطلاق: 2]، ونظائره.

فإن قيل: فقد سمى الله - عز وجل - أيمان اللعان شهادة في قوله: {فشهادة أحدهم أربع شهادات بالله} [النور: 6]، وقال: {ويدرأ عنها العذاب أن تشهد أربع شهادات بالله} [النور: 8].

قيل: إنما سمى أيمان الزوج شهادة؛ لأنها قائمة مقام البينة، ولذلك ترجم المرأة إذا نكلت ، وسمى أيمانها شهادة؛ لأنها في مقابلة شهادة الزوج.

وأيضا، فإن هذه اليمين خصت من بين الأيمان بلفظ "الشهادة بالله" تأكيدا لشأنها ، وتعظيما لخطرها.

الثاني عشر: أنه قال: {شهادة بينكم إذا حضر أحدكم الموت} [المائدة: 106]، ومن المعلوم أنه لا يصح أن يكون أيمان بينكم إذا حضر أحدكم الموت ، فإن الموصي إنما يحتاج إلى الشاهدين، لا إلى اليمين.

الثالث عشر: أن حكم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الذي حكم به - وحكم به الصحابة بعده - هو تفسير الآية قطعا، وما عداه باطل، فيجب أن

Ed. Nayif ibn Ahmad al-Hamad — Dar 'Alam al-Fawa'id, Makka