مذهب البخاري في المسألة
يقول أقوالا يعلم أن القول بتلك السنة أقوى منها بكثير.
وقد نسب إلى البخاري إنكار الحكم بشاهد ويمين، فإنه قال في "باب يمين المدعى عليه" من كتاب الشهادات: "قال قتيبة : حدثنا سفيان عن ابن شبرمة قال: كلمني أبو الزناد في شهادة الشاهد ويمين المدعي، فقلت: قال الله تعالى: {واستشهدوا شهيدين من رجالكم فإن لم يكونا رجلين فرجل وامرأتان ممن ترضون من الشهداء أن تضل إحداهما فتذكر إحداهما الأخرى} [البقرة: 282].
قلت: إذا كان يكتفى بشهادة شاهد ويمين المدعي فما يحتاج أن تذكر إحداهما الأخرى ، ما كان يصنع بذكر هذه الأخرى؟ ". فترجمة الباب بأن اليمين من جهة المدعى عليه، وذكر هذه المناظرة، وعدم رواية حديث أو أثر في الشاهد واليمين، ظاهر في أنه لا يذهب إليه، وهذا ليس بصريح أنه مذهبه، ولو صرح به فالحجة فيما يرويه لا فيما يراه.
قال الإسماعيلي - عند ذكر هذه الحكاية -: ليس فيما ذكره ابن شبرمة معنى، فإن الحاجة إلى إذكار إحداهما الأخرى إذا شهدتا، فإن لم يكونا قام مقامهما يمين الطالب ببيان السنة الثابتة ، وكما حلت يمين المدعى عليه محل البينة في الأداء والإبراء، حلت ها هنا محل الشاهد ومحل المرأتين في الاستحقاق، بانضمامها إلى الشاهد الواحد، ولو وجب إسقاط السنة الثابتة في الشاهد واليمين - كما ذكر ابن شبرمة - لسقط الشاهد والمرأتان، لقوله - صلى الله عليه وسلم -: "شاهداك أو يمينه" . فنقله عن الشاهدين إلى يمين خصمه بلا ذكر رجل وامرأتين.
قلت: مراده أن قوله تعالى: {واستشهدوا شهيدين من رجالكم فإن لم يكونا رجلين فرجل وامرأتان} [البقرة: 282] لو كان مانعا من الحكم بالشاهد واليمين، ومعارضا له، لكان قوله - صلى الله عليه وسلم -: "شاهداك أو يمينه" مانعا من الحكم بالشاهد والمرأتين، ومعارضا له، وليس الأمر كذلك، فلا تعارض بين كتاب الله وسنة رسوله، ولا اختلاف ولا تناقض بوجه من الوجوه، بل الكل من عند الله {ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافا كثيرا (82)} [النساء: 82] .