الوجه الرابع عشر من وجوه إعجازه (عموم بعض آياته وخصوص بعضها)
vol. 1 · p. 220
وقال السكاكي: التعريض ما سيق لأجل موصوف غير مذكور، ومنه أن
يخاطب واحد ويراد غيره، وسمي به لأنه أميل الكلام إلى جانب مشارا به إلى
آخر، يقال: نظر إليه بعرض وجهه، أي جانبه.
قال الطيبي: وذاك يفعل إما لتنويه جانب الموصوف، ومنه: (ورفع بعضهم
درجات) ، أي محمدا - صلى الله عليه وسلم - إعلاء لقدره، أي أنه العلم الذي لا يشتبه.
وإما التلطف به واحترازا عن المخاشنة، نحو: (وما لي لا أعبد الذي فطرني) ،: أي وما لكم لا تعبدون، بدليل قوله: (وإليه ترجعون) .
وكذا قوله: (أأتخذ من دونه آلهة) .
ووجه حسنه إسماع من يقصد خطابه الحق على وجه يمنع غضبه، إذ لم يصرح بنسبته للباطل، والإعانة على قبوله، إذ لم يرد له إلا ما أراد لنفسه.
وإما لاستدراج الخصم إلى الإذعان والتسليم، ومنه: (لئن أشركت ليحبطن) .
خوطب النبي - صلى الله عليه وسلم - وأريد غيره، لاستحالة الشرك عليه
شرعا.
وإما للذم، نحو: (إنما يتذكر أولو الألباب) ، فإنه تعريض
بذم الكفار، وأنهم في حكم البهائم الذين لا يتذكرون.
وإما للإهانة والتوبيخ، نحو: (وإذا الموءودة سئلت (8) بأي ذنب قتلت (9) .
فإن سؤالها لإهانة قاتلها وتوبيخه.
قال السبكي: التعريض قسمان:
قسم يراد به معناه الحقيقي، ويشار به إلى المعنى الآخر المقصود كما تقدم.
وقسم لا يراد، بل يضرب مثلا للمعنى الذي هو مقصود التعريض، كقول
إبراهيم: (قال بل فعله كبيرهم هذا) .
*******
vol. 1 · p. 221
وهما من أعظم أنواع البلاغة
واختلف، هل بينهما واسطة - وهي المساواة - أو لا، وهي داخلة في قسم
الإيجاز، فالسكاكي وجماعة على الأول، لكنهم جعلوا المساواة غير محمودة ولا مذمومة، لأنهم فسروها بالمتعارف من كلام أوساط الناس الذين ليسوا في رتبة البلاغة، وفسروا الإيجاز بأداء المقصود بأقل من عبارة المتعارف.
والإطناب أداؤه بأكثر منها لكون المقام حقيقا بالبسط.
وابن الأثير وجماعة على الثاني، فقالوا: الإيجاز التعبير عن المراد بلفظ غير
زائد.
والإطناب بلفظ أزيد.
وقال القزويني: الأقرب أن يقال إن القبول من طرق التعبير عن المراد تأدية
أصله، إما بلفظ مساو للأصل المراد، أو ناقص عنه واف، أو زائد عليه لفائدة.
والأول المساواة، والثاني الإيجاز، والثالث الإطناب.
واحترز بواف عن الإخلال، وبقوله لفائدة - عن الحشو والتطويل، فعنده ثبوت المساواة واسطة، وأنها من قسم القبول.
فإن قلت: عدم ذكرك المساواة في الترجمة لماذا؟ هل هو لرجحان نفيها، أو
عدم قبولها، أو لأمر غير ذلك؟
قلت: لهما، ولأمر ثالث، وهو أن المساواة لا تكاد توجد خصوصا في
القرآن.
وقد مثل لها في التلخيص بقوله تعالى: (ولا يحيق المكر السيئ إلا بأهله) .
وفي الإيضاح بقوله تعالى: (وإذا رأيت الذين يخوضون في آياتنا فأعرض عنهم) .
وتعقب بأن في الآية الثانية حذف موصوف الذين، وفي الأولى إطناب بلفظ