(مودة بينكم) :
vol. 3 · p. 314
السحاب سحابا لعلوه، وهذا جار على الخلاف في المياه على ما قدمنا، هل هي من السماء، أو هي من بخار لطيف يصعد من البحار فيتكون منه السحاب، والصحيح الوقف.
هذا مثل: (ولا طائر يطير بجناحيه) ، لأن جريها ليس إلا في البحر، وجريها في البحر لا يقع إلا بإذن الله.
فإن قلت: ما فائدة قوله: (بأمره) مع أنه معلوم؟
والجواب: لما كان لجريها أسباب في محاولة البحر وخدمة النواتية ربما يتوهم
أن جريها بسبب ذلك، فاحترس منه بقوله: (بأمره) ، وبهذا تفهم الحكمة في إدخال اللام في قوله في الواقعة: (لو نشاء لجعلناه حطاما) ، دون إدخالها في قوله: (لو نشاء جعلناه أجاجا) ، لأن الأول فيه لابن آدم تسبب ومحاولة، فقد يتوهم أن ذلك من فعلهم، بخلاف الماء فإنهم لا تسبب لهم في كونه حلوا.
(وآتاكم من كل ما سألتموه) :
من للتبعيض، و (كل)
للعموم، ومتعلقهما مختلف، فالعموم في الأنواع، والتبعيض في أنواع تلك
الأشخاص، أي وآتاكم بعض كل نوع مما سألتموه.
إفراد النعمة من باب التنبيه بالأدنى على الأعلى، بمعنى أن الإنسان لا يستطيع إحاطة جزئيات النعمة الواحدة، فأحرى ما هو أكثر.
و (نعمة) مصدر محدود بالتاء، فليس المراد به الجنس، بل هو مفرد حقيقة، بدليل أن المصدر المحدود بالتاء يجوز تثنيته وجمعه، بخلاف المبهم.
فإن قلت: الشرط لا يكون مناقضا للجزاء، فلا تقول: إن قام زيد لم يقدر
على القيام، والعد هو عين الإحصاء؟
(مودة ورحمة) :
vol. 3 · p. 315
والجواب: معناه إن أردتم أن تعدوا نعمة الله لا تحصوها، مثل: (فإذا قرأت القرآن فاستعذ بالله من الشيطان الرجيم) .
وانظر كيف وصف الإنسان بالظلم وجحد النعمة، والمراد به العموم، إلا إن
استثنى، كقوله تعالى: (والعصر (1) إن الإنسان لفي خسر (2) إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات) .
(وهب لي على الكبر إسماعيل وإسحاق) :
حمد إبراهيم ربه على أن ولد له إسماعيل وهو ابن مائة وسبعة عشر عاما.
والحمد مشتق من التثنية، فهو إنما يصدق على من حمد مرة بعد أخرى، وكذلك هذا، لأن وجود إسماعيل مقدم على إسحاق، فقد صدق أنه حمد مرتين.
قال الزمخشري: على بمعنى مع، أو بمعنى في، والأول أولى، لإفادتها زمن الكبر كله على الجملة.
(ولا تحسبن الله غافلا عما يعمل الظالمون) :
هذه الآية بجملتها فيها وعيد للظالمين وتسلية للمظلومين.
والخطاب لنبينا - صلى الله عليه وسلم.
فإن قلت: هو - صلى الله عليه وسلم - غير غافل، وعطف هنا بالواو وفيما بعدها بالفاء؟
والجواب: أن معناها الثبوت على علمك يا محمد، ومن اعتبر من أمتك
وغيرهم أن الله لا ينجز ميعاده في أخذ الظالم حين ظلمه، فإن الله يمهله، ولذا
عطف الآية بعدها بالفاء، وقد يعجل العقوبة على بعض الظالمين لرحمته بهم، وإن أخرهم ليوم تشخص فيه الأبصار فسيعلمون ما يلحقهم.
فإن قلت: لم تعلق النفى هنا بالأخص، ونفي الأخص لا يستلزم نفي
الأعم، لأن الحسبان النفي مؤكد بالنون الشديدة، فهو أخص من مطلق
الحسبان؟
والجواب: بأن النون دخلت على الفعل النفي، فأكدته، لأن النفي دخل على الفعل المؤكد فنفاه، فهو تأكيد للنفي لا نفي للفعل المؤكد، فهو نفي أخص لا نفي أعم.