(كظيم) :
vol. 2 · p. 596
أحدها: أن يكون (عاصم) اسم فاعل، و (من رحم) كذلك بمعنى الراحم.
فالمعنى لا عاصم إلا الراحم، وهو الله تعالى.
والثاني: أن يكون (عاصم) بمعنى العصمة، أي معصوم، و (من رحم) بمعنى
مفعول، أي من رحمه الله.
فالمعنى لا معصوم إلا من رحمه الله، فالاستثناء على هذين الوجهين متصل.
والثالث: أن يكون (عاصم) فاعل، و (من رحم) بمعنى المفعول، والمعنى لا عاصم من أمر الله لكن من رحمه الله فهو المعصوم.
والراجى: عكسه، والاستثناء على هذين منقطع.
(عذاب يخزيه) :
هو الغرق، والعذاب المقيم عذاب النار.
فيه ثلاثة تأويلات على قراءة الجمهور:
أحدها: أن يكون الضمير في (إنه) سؤال نوح نجاة ابنه.
والثاني: أن يكون الضمير لابن نوح، وحذف مضاف من الكلام، تقديره:
إنه ذو عمل غير صالح.
والثالث: أن يكون الضمير لابن نوح، وما مصدر وصف به مبالغة.
كقولك: رجل صوم.
وقرأ الكسائي عمل - بفعل ماض، غير صالح - بالنصب.
والضمير على هذا لابن نوح بلا إشكال، لأن الله تعالى لما أراد أن يعذبه قطع
نسبه عنه، ووصفه بعدم الصلاحية.
وأنت يا محمدي أضافك إلى نفسه، بقوله: يا عبادي، وإلهكم، أفتراه يعذبك بعد هذه الإضافة.
ولذلك قيل الإشارات ستة: إشارة إلى المتقين بقوله: (وسارعوا إلى مغفرة
من ربكم) .
وإشارة العابدين: (فاسعوا إلى ذكر الله) .
وإشارة العاصين: (يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم) .
وإشارة الهاربين إلى حصنه: (ففروا إلى الله) .
vol. 2 · p. 597
وإشارة التائبين إلى الفلاح: (وتوبوا إلى الله جميعا) .
وإشارة أهل الكتاب إلى الفلاح: (يا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمة) .
وإذا أردت محبة الله لعباده فانظر كيف خفف المعصية على النفس، وثقل
عليها الطاعة، ليكون لها حجة، ويقبل عذرها إذا رجعت إليه، فالله يثيب
المطيع بغاية الثواب للامتثال، ويعاقب الكافر بأقبح العقوبة للمخالفة، والعاصي يعاقبه في الدنيا بأنواع الأمراض والأسقام حتى في قطع شسع نعله إن لم يتب، حتى يلقى الله ولا ذنب عليه.
قال تعالى: (وما أصابكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم ويعفو عن كثير) .
(عاهدتم من المشركين) :
إنما أسند العهد إلى المسلمين، لأن فعل الرسول - صلى الله عليه وسلم - لازم للمسلمين، فكأنهم هم الذين عاهدوا المشركين، وكان
- صلى الله عليه وسلم - قد عاهد المشركين إلى آجال محدودة، فمنهم من وفى، فأمر الله أن يتم عهده إلى مدته، ومنهم من نقض أو قارب النقض، فجعل له أجل أربعة أشهر، وبعدها لا يكون له عهد.
(عاهدت منهم) : يريد بني قريظة.
(على سواء) ، أي على معدلة.
وقيل معناه أن تستوي معهم في العلم فتنقض العهد.
(عرضا قريبا) :
هذا الكلام وكثير مما بعده في هذه السورة في المنافقين الذين تخلفوا عن غزوة تبوك، وذلك أنها كانت إلى أرض بعيدة، وكانت في شدة الحر وطيب الظلال والثمار، فثقلت عليهم، فأخبر الله في هذه الآية أن السفر لو كان لعرض الدنيا أو مسافة قريبة لاتبعوه.
قدم الله العفو لنبيه قبل عتابه، إكراما له وجبرا لقلبه أن ينصدع، وذلك لخوفه من ربه، كأنه قال: أصلحك الله يا محمد، لم أذنت لهم في التخلف عن الخروج معك حتى يتبين لك الذين صدقوا وتعلم الكاذبين، لأنهم قالوا نستأذنه في القعود، فإن أذن لنا