(كلا) :
vol. 3 · p. 9
قال بعضهم: ابتلى الله خليله بعشرة أشياء، ثم أثنى عليه بعشرة، ثم أعطاه
عشرة.
أما الابتلاء فهو مناظرة النمرود، والكوكب والقمر والشمس، وبكسر
الأصنام، ومناظرة الأب، وبالهجرة، وبنار النمرود، وبذبح الولد، وبالإخلاص
في قول الله له: (أسلم) .
وبالعشر كلمات، وبالملائكة الذين بعثهم الله إليه شبه المجوس يعرض عليهم الإيمان.
وأما الثناء عليه فسماه (أمة قانتا لله حنيفا) ، شاكرا لأنعمه، وفيا صديقا
نبيئا قيما أوابا منيبا.
واصطفاه بالاجتباء والاهتداء، والبركة والبشارة بإسحاق، والحجة على
قومه، والإمامة والمقام، ونسبة الأمة المحمدية، على جميعهم السلام، والخلة في قوله تعالى: (واتخذ الله إبراهيم خليلا) .
فيها تأويلان.
أحدهما أن المعنى من قتل فعفي عنه فعليه أداء الدية بإحسان، وعلى أولياء
المقتول اتباعه بها بمعروف، فعلى هذا " من " كناية عن القاتل، وأخوه هو
المقتول أو وليه.
وعفي من العفو عن القصاص.
وأصله أن يتعدى بعن، وإنما تعدى هنا باللام، لأنه كقولك: تجاوزت لفلان عن ذنبه.
والثاني أن المعنى إن من أعطيته الدية فعليه اتباع بمعروف، وعلى القاتل أداء
بإحسان، فعلى هذا " من " كناية عن أولياء المقتول، وأخوه هو القاتل أو
عاقلته، وعفي بمعنى يسر، كقوله: (خذ العفو) ، أي تيسر.
ولا إشكال.
في تعدي عفي بإلى على هذا المعنى.
كم
vol. 3 · p. 10
(فمن اعتدى بعد ذلك فله عذاب أليم) ، أي قتل قاتل وليه بعد أخذ الدية منه فله القصاص منه.
وقيل عذاب الآخرة.
(فمن تطوع) ، أي صام ولم يأخذ بالفطر والكفارة.
وذلك على القول بالنسخ.
وقيل تطوع بالزيادة في مقدار الطعام، وذلك على القول بعدم النسخ.
(فمن شهد منكم الشهر فليصمه) ، أي كان حاضرا غير مسافر.
والشهر منصوب على الظرفية.
والمراد به شهر رمضان المتقدم.
(فليستجيبوا لي) ، أي فيما دعوتهم إليه من الإيمان والطاعة
(فاعتدوا عليه) :
تسمية العقوبة باسم الذنب، أي قاتلوا من قاتلكم، ولا تبالوا بحرمة صدكم عن مكة.
(فما استيسر من الهدي) :
وأقل ذلك شاة تذبحونها.
نزلت في كعب بن عجرة لما رآه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال: لعلك تؤذيك هوام رأسك، فقال: نعم.
فقال له - صلى الله عليه وسلم -، احلق رأسك، وصم ثلاثة أيام، أو أطعم ستة مساكين، أو انسك بشاة.
فمعنى الآية: إن من كان في الحج واضطره مرض أو قمل إلى حلق رأسه قبل
يوم النحر جاز له حلقه، وعليه صيام، أو صدقة، أو نسك، حسبما فسر في الحديث.
وقاس الفقهاء على حلق الرأس سائر الأشياء التي يمنع الحج منها، إلا الصيد
ووطء النساء.
وقاس الظاهرية ذلك على حلق الرأس، ولا بد في الآية من مضمر لا يستقل
الكلام دونه، وهو المسمى فحوى الخطاب، وتقديره: (فمن كان منكم مريضا أو به أذى من رأسه) فحلق رأسه فعليه فدية.