سورة الأنفال
vol. 1 · p. 99
لو كانوا في الدنيا مسلمين، وذلك وجه حسن في الربط، مع اختتام آخر تلك بوصف الكتاب، وافتتاح هذه به1، وذلك من تشابه الأطراف2.
vol. 1 · p. 100
أقول: وجه وضعها بعد سورة الحجر: أن آخرها شديد الالتئام بأول هذه؛ فإن قوله في آخر تلك: {واعبد ربك حتى يأتيك اليقين} "الحجر: 99" الذي هو مفسر بالموت، ظاهر المناسبة لقوله هنا: {أتى أمر الله} "1"، وانظر كيف جاء في المقدمة ب {يأتيك اليقين} [بلفظ المضارع] 1، وفي المتأخرة بلفظ الماضي؛ لأن المستقبل سابق على الماضي، كما تقرر في المعقول والعربية2.
ثم3 ظهر لي أن هذه السورة شديدة الاعتلاق بسورة إبراهيم؛ وإنما تأخرت4 عنها لمناسبة الحجر، في كونها من ذوات {الر} .
وذلك: أن سورة إبراهيم وقع فيها ذكر فتنة الميت، ومن هو مثبت5 وغيره6، وذلك أيضا في هذه بقوله: {الذين تتوفاهم الملائكة ظالمي أنفسهم} "28" الآيات، فذكر الفتنة، وما يحصل عندها من الثبات والإضلال، وذكر هنا ما يحصل عقب ذلك من النعيم والعذاب7.
vol. 1 · p. 101
ووقع في سورة إبراهيم: {وقد مكروا مكرهم وعند الله مكرهم وإن كان مكرهم لتزول منه الجبال} "إبراهيم: 46"، و [قد] 1 قيل: إنها في الجبار الذي أراد أن يصعد السماء بالنسور2، ووقع هنا أيضا في قوله: {قد مكر الذين من قبلهم} "26".
ووقع في سورة إبراهيم ذكر النعم، وقال عقبها: {وإن تعدوا نعمت الله لا تحصوها} "إبراهيم: 34"، ووقع هنا ذكر ذلك معقبا بمثل ذلك.
vol. 1 · p. 102
اعلم أن هذه السورة والأربع بعدها من قديم ما أنزل1.
أخرج البخاري عن ابن مسعود أنه قال في بني إسرائيل، والكهف، ومريم، وطه، والأنبياء: " [هن] 2 من العتاق الأول، وهن من تلادي"3، وهذا وجه في ترتيبها، وهو اشتراكها في قدم النزول، وكونها مكيات، وكلها4 مشتملة على القصص.
وقد ظهر لي في وجه اتصالها بسورة النحل: أنه سبحانه لما قال في آخر النحل: {إنما جعل السبت على الذين اختلفوا فيه} "النحل: 124" فسر في هذه [السورة] 5 شريعة أهل السبت وشأنهم، فذكر فيها جميع ما شرع لهم في التوراة، كما أخرج ابن جرير عن ابن عباس أنه قال: " [إن] 6 التوراة كلها في خمس عشرة آية من سورة بني إسرائيل"7، وذكر عصيانهم وإفسادهم8، وتخريب مسجدهم، ثم ذكر استفزازهم للنبي -صلى الله عليه وسلم- وإرادتهم إخراجه من المدينة، ثم ذكر سؤالهم إياه عن الروح، ثم ختم السورة بآيات موسى التسع، وخطابه مع فرعون، وأخبر أن [فرعون أراد أن يستفزهم من الأرض، فأهلك،