سورة الفاتحة
vol. 1 · p. 62
قد تقدم ما يؤخذ منه مناسبة وضعها.
وقال الإمام: لما كانت هذه السورة قرينة سورة البقرة، وكالمكملة لها، افتتحت بتقرير ما افتتحت به تلك، وصرح في منطوق مطلعها بما طوي في مفهوم [مطلع] 1 تلك2.
وأقول: قد ظهر لي بحمد الله وجوه من المناسبات:
أحدها: مراعاة القاعدة التي قررتها، من شرح كل سورة لإجمال ما في السورة قبلها، وذلك هنا في عدة مواضع:
منها: ما أشار إليه الإمام، فإن أول البقرة افتتح بوصف الكتاب بأنه لا ريب فيه. وقال في آل عمران: {نزل عليك الكتاب بالحق مصدقا لما بين يديه} "13"، وذلك بسط وإطناب؛ لنفي الريب عنه.
ومنها: أنه ذكر في البقرة إنزال الكتاب مجملا، وقسمه هنا إلى آيات محكمات، ومتشابهات لا يعلم تأويلها إلا الله3.
ومنها: أنه قال في البقرة: {وما أنزل من قبلك} "البقرة: 4" [مجملا] 4، وقال هنا: {وأنزل التوراة والأنجيل، من قبل هدى
vol. 1 · p. 63
للناس} "3، 4" مفصلا. وصرح بذكر الإنجيل هنا؛ لأن السورة خطاب للنصارى، ولم يقع التصريح به في سورة البقرة بطولها؛ وإنما صرح فيها بذكر التوراة خاصة؛ لأنها خطاب لليهود.
ومنها: أن ذكر القتال وقع في سورة البقرة مجملا بقوله: {وقاتلوا في سبيل الله} "190، 244" [وقوله] : {كتب عليكم القتال} "البقرة: 216"، وفصلت هنا قصة أحد بكمالها1.
ومنها: أنه أوجز في البقرة ذكر المقتولين في سبيل الله بقوله: {أحياء ولكن لا تشعرون} "البقرة: 154" وزاد هنا: {عند ربهم يرزقون، فرحين بما آتاهم الله من فضله ويستبشرون بالذين لم يلحقوا بهم من خلفهم} "169، 170" الآيتين، وذلك إطناب عظيم.
ومنها: أنه قال في البقرة: {والله يؤتي ملكه من يشاء} "البقرة: 247". وقال هنا: {قل اللهم مالك الملك تؤتي الملك من تشاء وتنزع الملك ممن تشاء وتعز من تشاء وتذل من تشاء بيدك الخير إنك على كل شيء قدير} "26"، فزاد إطنابا وتفصيلا.
ومنها: أنه حذر من الرباء في البقرة، ولم يزد على لفظ الربا إيجازا2 وزاد هنا قوله3: {أضعافا مضاعفة} "130"، وذلك4 بيان وبسط.