سورة النساء
vol. 1 · p. 83
أزواجهم، وقتل البنات بالوأد1.
وبالمائدة من حيث اشتمالها على الأطعمة بأنواعها2.
وفي افتتاح السور المكية بها وجهان آخران من المناسبة.
الأول: افتتاحها بالحمد.
والثاني: مشابهتها للبقرة، المفتتح بها السور المدنية، من حيث أن كلا منهما نزل مشيعا. ففي حديث أحمد: "البقرة سنام القرآن وذروته، نزل مع كل آية منها ثمانون ملكا"3، وروى الطبراني وغيره من طرق: "أن الأنعام شيعها سبعون ألف ملك"، وفي رواية: "خمسمائة ملك"4.
ووجه آخر؛ وهو: أن كل ربع من القرآن افتتح بسورة أولها الحمد. [فأول القرآن سورة {الحمد} ] 5، وهذه للربع الثاني، والكهف للربع الثالث، وسبأ وفاطر للربع الرابع.
vol. 1 · p. 84
وجميع هذه الوجوه التي استنبطتها من المناسبات بالنسبة إلى أسرار القرآن1 كنقطة من 2 بحر.
ولما كانت هذه السورة لبيان بدء الخلق، ذكر فيها ما وقع عند بدء الخلق؛ وهو قوله: {كتب على نفسه الرحمة} "12"، ففي الصحيح: "لما فرغ الله من الخلق، وقضى القضية، كتب كتابا عنده فوق العرش: إن رحمتي سبقت غضبي" 3.
vol. 1 · p. 85
أقول: مناسبة وضع هذه السورة عقب سورة الأنعام فيما ألهمني الله سبحانه: أن سورة الأنعام لما كانت لبيان الخلق، وقال فيها: {هو الذي خلقكم من طين} "الأنعام: 2"، وقال في بيان القرون: {كم أهلكنا من قبلهم من قرن} "الأنعام: 6"، وأشير فيها إلى ذكر المرسلين، وتعداد كثير منهم، وكانت الأمور الثلاثة على وجه الإجمال لا التفصيل، ذكرت هذه السورة عقبها؛ لأنها مشتملة على شرح الأمور الثلاثة وتفصيلها.
فبسط فيها قصة خلق آدم أبلغ بسط؛ بحيث لم تبسط في سورة كما بسطت فيها1، وذلك تفصيل إجمال قوله: {خلقكم من طين} "الأنعام: 2"، ثم فصلت قصص المرسلين وأممهم، وكيفية إهلاكهم2 تفصيلا تاما شافيا مستوعبا، لم يقع نظيره في سورة غيرها3، وذلك بسط حال القرون المهلكة ورسلهم، فكانت هذه السورة شرحا لتلك الآيات الثلاث.
وأيضا فذلك تفصيل قوله: {وهو الذي جعلكم خلائف الأرض} "الأنعام: 6"؛ ولهذا صدر هذه السورة بخلق آدم الذي جعله الله في الأرض خليفة4. وقال في قصة عاد: {جعلكم خلفاء من بعد قوم نوح} "69"