عملنا في الكتاب
vol. 1 · p. 13
بقلم: عبد القادر أحمد عطا
قالت الجن حينما سمعوا القرآن من النبي صلى الله عليه وسلم: {إنا سمعنا قرآنا عجبا، يهدي إلى الرشد فآمنا به ولن نشرك بربنا أحدا} 1، واهتزت عقيدة الشرك في قلب رجل من صناديد الكفر هو الوليد بن المغيرة حينما سمع بعض آياته من الرسول -صلى الله عليه وسلم- فقال: "ما هو بقول البشر"، وفزع أئمة الكفر من قريش حينما شاهدوا تأثير القرآن على القلوب، فقالوا لزعمائهم: {لا تسمعوا لهذا القرآن والغوا فيه لعلكم تغلبون} 2، وسعى أهل النباهة من فتيان العرب -من أمثال عبد الله بن مسعود رضي الله عنه- إلى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فقال: "يا رسول الله، علمني من هذا القرآن" حينما استأسر قلبه لسلطانه، واستشرف على عتبات الإسلام.
تلك واحدة من دلائل عظمة القرآن هي: سلطانه الروحاني الخفي على القلوب، وولايته المطلقة على مدارك الإنس والجن على السواء، وجاذبيته المضيئة لقلوب المهتدين والجاحدين جميعا.
وقد يكون لبعض المكتوبات البشرية سلطان على المشاعر، وجاذبية للنفوس؛ ولكنها لم تصل في ماضي الزمان، ولن تصل في مستقبله إلى أعماق الروح، ولا إلى مستقر الإيمان واليقين، ولا إلى قمة التضحية في سبيلها بالمال والنفس، كما وصل الرواد الأوائل للإسلام إيمانا بالقرأن، ويقينا بسلطانه، واستشهادا في سبيل دعوته، واحتمالا لما لا يطيقه بشر في سبيل إعلاء كلمته.
تلك دلالة لا شك فيها من دلائل عظمة القرآن بالنسبة للمؤمنين،
عظمة القرآن ووحدته الموضوعية:
vol. 1 · p. 14
يقابلها على نفس الطريق عنف المقاومة لهذا السلطان من جانب الكفار، وجبروت التعذيب الذي تسلطوا به على المؤمنين في مطلع الدعوة، فما لبثوا أن فجروا جديدا من ينابيع الإيمان بما ابتكروا من وسائل التعذيب، ووحدوا شتات الدعاة الأوائل تحت راية الرسول -صلى الله عليه وسلم- بما نفثوا من سموم الحقد والعداء، فكان القرآن هو محور هذا الصراع الرهيب العجيب الذي دارت رحاه على رمال جزيرة العرب، والذي طاشت في نهايته أحلام المعارضين على وفرة المال والرجال والسلاح حينما ذلت رقابهم أمام قلة من الرجال، وقلة من المال، وإعواز في السلاح يحدوها طوفان غامر من اليقين، وإيمان راسخ بالقرآن، وانطباع كامل بأخلاقه، فتحطمت إلى الأبد شوكة الكفر، وشمخ إلى الأبد صرح القرآن.
وثانية الدلائل على عظمة القرآن: صموده أمام دعوات الهدم على مدى التاريخ الطويل، وتصديه لهجمات الإلحاد الضارية في ميدان الحرب وفي ميدان الفكر، فلم تزده تلك الهجمات إلا انطلاقا إلى آفاق جديدة من الأرض، وانبلاجا لنوره على صدر الزمان، وأعماقا بعيدة لجذوره في القلوب، ولئن ذبلت في بعض أحقاب التاريخ همم أهل الحضارة القرآنية تحت تأثير الصدمات المتوالية واستجابة المؤمنين إلى أهواء النفوس، فما كان هذا الذبول إلا غفوة أعقبها استجماع للقوة، ورؤية مضيئة لحركة التاريخ كما حددها القرآن، فعاد الذبول نضارة، وكان من الضعف قوة، ومن آمال أهل الإلحاد تمزق وخيبة وانحلال، وكان من هذا التمزق دفع لمجتمع المؤمنين إلى ذروة التاريخ.
لقد عانت حضارة القرآن تسلط قريش، وجبروت الروم، وجدل الفرس، وسلاح الصليبية، ولؤم اليهودية العالمية، وأخيرا عانت بريق المذاهب السياسية والاقتصادية وأخصها الشيوعية اليهودية، وكان من أبناء الإسلام أعوان لهؤلاء المتآمرين حاولوا قهر الأعزة على أوهام الشيوعية، فأعزوا في سبيل ذلك أهل الأهواء؛ ولكن أولئك جميعا ذلوا