قال تعالى: (ذلك الكتاب لا ريب فيه هدى للمتقين (2))
vol. 1 · p. 22
قوله تعالى: (وعلى سمعهم) السمع في الأصل مصدر سمع، وفي تقديره هنا وجهان: أحدهما: أنه استعمل مصدرا على أصله، وفي الكلام حذف تقديره: على مواضع سمعهم ; لأن نفس السمع لا يختم عليه.
والثاني: أن السمع هنا استعمل بمعنى السامعة، وهي الأذن، كما قالوا: الغيب بمعنى الغائب، والنجم الغائب والنجم بمعنى الناجم، واكتفى بالواحد هنا عن الجمع، كما قال الشاعر:
بها جيف الحسرى فأما عظامها ... فبيض وأما جلدها فصليب
يريد جلودها.
قوله تعالى: (وعلى أبصارهم غشاوة) يقرأ بالرفع على أنه مبتدأ، وعلى أبصارهم خبره، وفي الجار على هذا ضمير.
وعلى قول الأخفش غشاوة مرفوع بالجار، كارتفاع الفاعل بالفعل، ولا ضمير في الجار على هذا لارتفاع الظاهرية، والوقف على هذه القراءة على: (وعلى سمعهم) .
ويقرأ بالنصب بفعل مضمر تقديره: وجعل على أبصارهم غشاوة ; ولا يجوز أن
ينتصب بختم ; لأنه لا يتعدى بنفسه. ويجوز كسر الغين وفتحها وفيها ثلاث لغات أخر، غشوة بغير ألف، بفتح الغين، وضمها، وكسرها.
قوله تعالى: (ولهم عذاب) مبتدأ وخبر، أو فاعل عمل فيه الجار على ما ذكرنا قبل وفي: (عظيم) ضمير يرجع على العذاب لأنه صفته.
vol. 1 · p. 23
قوله تعالى: (ومن الناس) : الواو دخلت هنا للعطف على قوله: (الذين يؤمنون بالغيب) وذلك أن هذه الآيات استوعبت أقسام الناس ; فالآيات الأول تضمنت ذكر المخلصين في الإيمان وقوله: (إن الذين كفروا) تضمن ذكر من أظهر الكفر وأبطنه وهذه الآية تضمنت ذكر من أظهر الإيمان، وأبطن الكفر، فمن هنا دخلت الواو لتبين أن المذكورين من تتمة الكلام الأول، ومن هنا للتبعيض، وفتحت نونها ولم تكسر ; لئلا تتوالى الكسرتان.
وأصل الناس عند سيبويه أناس، حذفت همزته، وهي فاء الكلمة، وجعلت الألف واللام كالعوض منها، فلا يكاد يستعمل الناس إلا بالألف واللام، ولا يكاد يستعمل أناس بالألف واللام، فالألف في الناس على هذا زائدة واشتقاقه من الأنس.
وقال غيره ليس في الكلمة حذف، والألف منقلبة عن واو وهي عين الكلمة، واشتقاقه من ناس ينوس نوسا، إذا تحرك وقالوا في تصغيره نويس.
قوله: (من يقول) (من) في موضع رفع بالابتداء، وما قبله الخبر أو هو مرتفع بالجار قبله على ما تقدم.
و (من) هنا نكرة موصوفة، ويقول صفة لها ويضعف أن تكون بمعنى الذي ; لأن الذي يتناول قوما بأعيانهم والمعنى هاهنا على الإيهام والتقدير، ومن الناس فريق يقول.
و (من) موحدة اللفظ، وتستعمل في التثنية والجمع والتأنيث بلفظ واحد، والضمير الراجع إليها يجوز أن يفرد حملا على لفظها، وأن يثنى ويجمع ويؤنث حملا على معناها، وقد جاء في هذه الآية على الوجهين، فالضمير في يقول مفرد، وفي آمنا وما هم جمع.