[الحديث الثاني والأربعون قال الله تعالى يابن آدم إنك ما دعوتني ورجوتني غفرت لك على ما كان منك ولا أبالي]
vol. 2 · p. 406
وقال آخر:
يا رب إن عظمت ذنوني كثرة ... فلقد علمت بأن عفوك أعظم
إن كان لا يرجوك إلا محسن ... فمن الذي يرجو ويدعو المجرم
ما لي إليك وسيلة إلا الرجا ... وجميل عفوك ثم إني مسلم
السبب الثاني للمغفرة: الاستغفار، ولو عظمت الذنوب، وبلغت الكثرة عنان السماء، وهو السحاب. وقيل: ما انتهى إليه البصر منها، وفي الرواية الأخرى: «لو أخطأتم حتى بلغت خطاياكم ما بين السماء والأرض، ثم استغفرتم الله لغفر لكم» ، والاستغفار: طلب المغفرة، والمغفرة: هي وقاية شر الذنوب مع سترها. وقد كثر في القرآن ذكر الاستغفار، فتارة يؤمر به، كقوله تعالى: {واستغفروا الله إن الله غفور رحيم} [البقرة: 199] [البقرة: 199] ، وقوله: {وأن استغفروا ربكم ثم توبوا إليه} [هود: 3] [هود: 3] . وتارة يمدح أهله، كقوله: {والمستغفرين بالأسحار} [آل عمران: 17] [الذاريات: 18] ، وقوله: {والذين إذا فعلوا فاحشة أو ظلموا أنفسهم ذكروا الله فاستغفروا لذنوبهم ومن يغفر الذنوب إلا الله} [آل عمران: 135] [آل عمران: 135] . وتارة يذكر أن الله يغفر لمن استغفره، كقوله تعالى: {ومن يعمل سوءا أو يظلم نفسه ثم يستغفر الله يجد الله غفورا رحيما} [النساء: 110] [النساء: 110] . وكثيرا ما يقرن الاستغفار بذكر التوبة، فيكون الاستغفار حينئذ عبارة عن طلب المغفرة باللسان، والتوبة عبارة عن الإقلاع من الذنوب بالقلوب والجوارح.
vol. 2 · p. 407
وتارة يفرد الاستغفار، ويرتب عليه المغفرة، كما ذكر في هذا الحديث وما أشبهه، فقد قيل: إنه أريد به الاستغفار المقترن بالتوبة، وقيل: إن نصوص الاستغفار المفردة كلها مطلقة تقيد بما ذكر في آية " آل عمران " من عدم الإصرار؛ فإن الله وعد فيها بالمغفرة لمن استغفره من ذنوبه ولم يصر على فعله، فتحمل النصوص المطلقة في الاستغفار كلها على هذا المقيد، ومجرد قول القائل: اللهم اغفر لي - طلب منه للمغفرة ودعاء بها، فيكون حكمه حكم سائر الدعاء، فإن شاء الله أجابه وغفر لصاحبه، لا سيما إذا خرج عن قلب منكسر بالذنب أو صادف ساعة من ساعات الإجابة كالأسحار وأدبار الصلوات. ويروى عن لقمان عليه السلام أنه قال لابنه: يا بني عود لسانك: اللهم اغفر لي، فإن لله ساعات لا يرد فيها سائلا. وقال الحسن: أكثروا من الاستغفار في بيوتكم، وعلى موائدكم، وفي طرقكم، وفي أسواقكم، وفي مجالسكم أينما كنتم، فإنكم ما تدرون متى تنزل المغفرة. وخرج ابن أبي الدنيا في كتاب " حسن الظن " من حديث أبي هريرة مرفوعا: «بينما رجل مستلق إذ نظر إلى السماء وإلى النجوم، فقال: إني لأعلم أن لك ربا خالقا، اللهم اغفر لي، فغفر له» . وعن مورق قال: كان رجل يعمل السيئات، فخرج إلى البرية، فجمع ترابا، فاضطجع عليه مستلقيا، فقال: رب اغفر لي ذنوبي، فقال: إن هذا ليعرف أن له ربا يغفر ويعذب، فغفر له. وعن مغيث بن سمي، قال: بينما رجل خبيث، فتذكر يوما، فقال: اللهم