سورة النساء
vol. 2 · p. 11
الدال. ويجوز صدقاتهن، ولا تقرأن من هذا إلا ما قد قرئ به لأن القراءة
سنة لا ينبغي أن يقرأ فيها بكل ما يجيزه النحويون، وإن تتبع فالذي روي من
المشهور في القراءة أجود عند النحويين، فيجتمع في القراءة بما قد روى
الاتباع وإثبات ما هو أقوى في الحجة: إن شاء الله.
ومعنى قوله: (نحلة)
فيه غير قول، قال بعضهم فريضة، وقال بعضهم ديانة، تقول: فلان
ينتحل كذا وكذا، أي يدين به، وقال بعضهم هي نحلة من الله لهن أن جعل
على الرجال الصداق، ولم يجعل على المرأة شيئا من الغرم، فتلك نحلة من
الله للنساء يقال - نحلت الرجل والمرأة - إذا وهبت له - نحلة ونحلا ويقال: قد نحل جسم فلان ونحل إذا دق.
والنحل جائز أن تكون سميت نحلا، لأن الله جل ثناؤه نحل الناس العسل الذي يخرج من بطونها.
وقوله - جل؛ عز - (فإن طبن لكم عن شيء منه نفسا)
أي عن شيء من الصداق.
و" لكم " خطاب للأزواج، وقال بعضهم للأولياء ههنا. و " نفسا " منصوب على التمييز لأنه إذا قال: طبن لكم، لم يعلم في أي صنف وقع الطيب.
المعنى: فإن طابت أنفسهن بذلك.
وقد شرحناه قبل هذا المكان شرحا وافيا.
وقوله: (فكلوه هنيئا مريئا)
يقال: هنأني الطعام ومراني. وقال بعضهم: يقال مع هنأني مراني.
فإذا لم تذكر هنأني قلت أمرأني بالألف.
وهذا حقيقته أن مرأني تبينت أنه
vol. 2 · p. 12
سينهضم وأحمد مغبته، فإذا قلت أمرأني الطعام فتأويله أنه قد انهضم وحمدت
فإن قال قائل: إنما قيل: (فإن طبن لكم عن شيء منه نفسا)
فكيف يجوز أن يقبل الرجل المهر كله، وإنما قيل له منه؟
فالجواب في ذلك أن " منه " ههنا للجنس لما قال عز وجل -: (فاجتنبوا الرجس من الأوثان).
فلم نؤمر أن نجتنب بعض الأوثان، ولكن المعنى اجتنبوا
الرجس الذي هو وثن.
أي فكلوا الشيء الذي هو مهر.
* * *
وقوله: (ولا تؤتوا السفهاء أموالكم التي جعل الله لكم قياما وارزقوهم فيها واكسوهم وقولوا لهم قولا معروفا (5)
قال بعضهم: السفهاء النساء والصبيان، وقال بعضهم: السفهاء
اليتامى، والسفهاء يدل على أنه لا يعني به النساء وحدهن، لأن النساء أكثر ما يستعمل فيهن جمع سفيهة وهو سفائه، ويجوز سفهاء، كما يقال فقيرة
وفقراء.
وقال بعضهم: معناه لا تهبوا للسفهاء أموالكم، وهذا عندي - والله
أعلم - غير جائز. كذلك قال أصحابنا البصريون بل السفيه أحق بالهبة لتعذر الكسب عليه، ولو منعنا من الهبة لهم لما جاز أن نورثهم، وإنما معنى: (ولا تؤتوا السفهاء أموالكم)، لا تؤتوا السفهاء أموالهم، والدليل على ذلك قوله: (وارزقوهم فيها واكسوهم)
وقوله: (فإن آنستم منهم رشدا فادفعوا إليهم أموالهم).
وإنما قيل أموالكم لأن معناه الشيء الذي به قوام أمركم، كما قال
الله: (ثم أنتم هؤلاء تقتلون أنفسكم)
ولم يكن الرجل منهم يقتل نفسه،