سورة آل عمران
vol. 1 · p. 417
فقل للحواريات يبكين غيرنا. . . ولا تبكنا إلا الكلاب النوابح
وقال أهل اللغة في المحور وهو العود الذي تدور عليه البكرة قولين.
قال بعضهم: إنما قيل له محور للدوران لأنه يرجع إلى المكان الذي زال منه، - وقيل إنما قيل له محور لأنه بدورانه ينصقل حتى يصير أبيض، ويقال دقيق
حوارى من هذا أي قد أخذ لبابه وكذلك عجين محور للذي يمسح وجهه
بالماء حتى يصفو، ويقال عين حوراء إذا اشتد بياضها وخلص واشتد سوادها، ولا يقال امرأة حوراء إلا أن تكون مع حور عينها بيضاء، وما روي، في
الحديث: " نعوذ بالله من الحور بعد الكور "
معناه نعوذ بالله من الرجوع والخروج عن الجماعة بعد الكور.
أي بعد أن كنا في الكور، أي في الجماعة يقال كار الرجل عمامة إذا لفها على رأسه، وحار عمامته إذا نقضها، وقد قيل: " بعد الكون " ومعناه بعد أن كنا على استقامة، إلا أن مع الكون محذوفا في الكلام
دليلا علبه.
* * *
ربنا آمنا بما أنزلت واتبعنا الرسول فاكتبنا مع الشاهدين (53)
وأما معنى قوله: (فاكتبنا مع الشاهدين)
أي اكتبنا مع الذين شهدوا للأنبياء بالتصديق، وحقيقة الشاهد أنه الذي
يبين تصحيح دعوى المدعي، فالمعنى صدقنا بالله واعترفنا بصحة ما جاء به
النبي - صلى الله عليه وسلم - وثبتنا، فاكتبنا مع من فعل فعلنا.
* * *
وقوله عز وجل: (ومكروا ومكر الله والله خير الماكرين (54)
vol. 1 · p. 418
المكر من الخلائق خب وخداع، والمكر من الله المجازاة على ذلك
فسمي باسم ذلك لأنه مجازاة عليه كما قال - عز وجل:
(الله يستهزئ بهم). فجعل مجازاتهم على الاستهزاء بالعذاب، لفظه لفظ الاستهزاء.
وكما قال جل وعز: (وجزاء سيئة سيئة مثلها) فالأولى سيئة والمجازاة
عليها سميت باسمها، وليست في الحقيقة سيئة.
وجائز أن يكون مكر الله استدراجهم من حيث لا يعلمون لأن الله سلط
عليهم فارس فغلبتهم وقتلتهم، والدليل على ذلك قوله عز وجل:
(الم (1) غلبت الروم (2) في أدنى الأرض).
وقيل في التفسير أيضا إن مكر الله بهم كان في أمر عيسى أنه - صلى الله عليه وسلم - كان في بيت فيه كوة فدخل رجل ليقتله، ورفع عيسى من البيت وخرج الرجل في شبهه يخبرهم أنه ليس في البيت فقتلوه.
وجملة المكر من الله مجازاتهم على ما فعلوا.
* * *
وقوله عز وجل: (إذ قال الله يا عيسى إني متوفيك ورافعك إلي ومطهرك من الذين كفروا وجاعل الذين اتبعوك فوق الذين كفروا إلى يوم القيامة ثم إلي مرجعكم فأحكم بينكم فيما كنتم فيه تختلفون (55)
(عيسى) اسم أعجمي عدل عن لفظ الأعجمية إلى هذا البناء، وهو غير
مصروف في المعرفة لاجتماع العجمية والتعريف فيه. ومثال اشتقاقه من كلام
العرب أن عيسى: فعلى،. فالألف يصلح أن تكون للتأنيث، فلا تتصرف في معرفة ولا نكرة، ويكون اشتقاقه من شيئين، أحدهما العيس، وهو بياض