Skip to content

Books to be read, not browsed

سورة الحديد — معاني القرآن وإعرابه

From ⁧معاني القرآن وإعرابه⁩ by ⁧إبراهيم بن السري بن سهل، أبو إسحاق الزجاج⁩ — leaf 1,920 of 2,148.

سورة الحديد

vol. 5 · p. 129

وقوله: (ورهبانية ابتدعوها ما كتبناها عليهم إلا ابتغاء رضوان الله).

هذه الآية صعبة في التفسير.

ومعناها - والله أعلم - يحتمل ضربين:

أحدهما أن يكون المعنى في قوله: (ورهبانية ابتدعوها) ابتدعوا رهبانية كما

تقول: رأيت زيدا، وعمرا أكرمته، وتكون (ما كتبناها عليهم) معناه لم نكتبها عليهم ألبتة، ويكون (إلا ابتغاء رضوان الله) بدلا - من الهاء والألف، فيكون المعنى ما كتبناها عليهم إلا ابتغاء رضوان الله، وابتغاء رضوان الله اتباع ما أمر به.

فهذا - والله أعلم - وجه.

وفيها وجه آخر في (ابتدعوها).

جاء في التفسير أنهم كانوا يرون من ملوكهم ما لا يصبرون عليه فاتخذوا

أسرابا وصوامع.

فابتدعوا ذلك، فلما ألزمرا أنفسهم ذلك التطوع ودخلوا فيه

لزمهم [إتمامه]، كما أن الإنسان إذا جعل على نفسه صوما لم يفترض عليه لزمه أن يتمه.

وقوله عز وجل: (فما رعوها حق رعايتها).

على ضربين - والله أعلم -:

أحدهما أن يكونوا قصروا فيما ألزموه أنفسهم.

والآخر وهو أجود أن يكونوا حين بعث النبي - صلى الله عليه وسلم - فلم يؤمنوا به كانوا تاركين لطاعة الله، فما رعوا تلك الرهبانية حق رعايتها. ودليل ذلك قوله عز وجل: (فآتينا الذين آمنوا منهم أجرهم).

أي الذين آمنوا منهم بالنبي عليه السلام.

vol. 5 · p. 130

(وكثير منهم فاسقون)

أي كافرون.

* * *

وقوله عز وجل: (يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وآمنوا برسوله يؤتكم كفلين من رحمته ويجعل لكم نورا تمشون به ويغفر لكم والله غفور رحيم (28)

يعني (آمنوا برسوله)، صدقوا برسوله.

* * *

وقوله عز وجل: (يؤتكم كفلين من رحمته).

معناه يؤتكم نصيبين من رحمته، وإنما اشتقاقه في اللغة من الكفل، وهو

كساء يجعله الراكب تحته إذا ارتدف لئلا يسقط، فتأويله يؤتكم نصيبين

يحفظانكم من هلكة المعاصي.

(ويجعل لكم نورا تمشون به).

كما قال عز وجل: (نورهم يسعى بين أيديهم)

وهذه علامة المؤمنين في القيامة، ودليل ذلك قوله:

(يوم يقول المنافقون والمنافقات للذين آمنوا انظرونا نقتبس من نوركم).

ويجوز أن يكون والله أعلم: (ويجعل لكم نورا تمشون به)

يجعل لهم سبيلا واضحا من الهدى تهتدون به.

* * *

وقوله: (لئلا يعلم أهل الكتاب ألا يقدرون على شيء من فضل الله وأن الفضل بيد الله يؤتيه من يشاء والله ذو الفضل العظيم (29)

المعنى فعل الله بكم ذلك كما فعل بمن آمن من أهل الكتاب لأن يعلموا

و (لا) مؤكدة. و (ألا يقدرون) (لا) ههنا يدل على الإضمار في " أن " مع

تخفيف " أن " المعنى أنهم لا يقدرون، أي ليعلم أهل الكتاب أنهم لا يقدرون على شيء من فضل الله (1).

Ed. 'Abd al-Jalil 'Abduh Shalabi — 'Alam al-Kutub, Beirut — 1st ed., 1408 AH - 1988 CE