سورة الأحقاف
vol. 5 · p. 5
(كذلك يضرب الله للناس أمثالهم).
أي كذلك يبين الله للناس أمثال حسنات المؤمنين وسيئات الكافرين أي
كالبيان الذي ذكر، ومعنى قول القائل: ضربت لك مثلا، أي بينت لك ضربا من الأمثال، أي صنفا منها.
* * *
وقوله عز وجل: (فإذا لقيتم الذين كفروا فضرب الرقاب حتى إذا أثخنتموهم فشدوا الوثاق فإما منا بعد وإما فداء حتى تضع الحرب أوزارها ذلك ولو يشاء الله لانتصر منهم ولكن ليبلو بعضكم ببعض والذين قتلوا في سبيل الله فلن يضل أعمالهم (4)
معناه فاضربوا الرقاب ضربا، منصوب على الأمر، وتأويله فإذا لقيتم
الذين كفروا فاقتلوهم، ولكن أكثر مواقع القتل ضرب العنق، فأعلمهم الله
- عز وجل - كيف القصد، وكيف قال: (واضربوا منهم كل بنان)
أي فليس يتوهم بهذا أن الضرب محظور إلا على الرقبة فقط.
* * *
وقوله عز وجل: (حتى إذا أثخنتموهم فشدوا الوثاق).
(أثخنتموهم) أكثرتم فيهم القتل، كما قال: (ما كان لنبي أن يكون له أسرى حتى يثخن في الأرض)، فالأسر بعد المبالغة في القتل.
ثم قال: (فإما منا بعد وإما فداء).
أي بعد أن تأسروهم إما مننتم عليهم منا، وإما أطلقتموهم بفداء.
وقوله: (حتى تضع الحرب أوزارها).
(حتى) موصولة بالقتل والأسر، المعنى فاقتلوهم وأسروهم حتى تضع
الحرب أوزارها.
والتفسير حتى يؤمنوا ويسلموا، فلا يجب أن تحاربوهم، فما
دام الكفر فالجهاد والحرب قائمة أبدا.
وقوله: (ذلك ولو يشاء الله لانتصر منهم).
vol. 5 · p. 6
(ذلك) في موضع رفع، المعنى الأمر ذلك، ويجوز أن يكون منصوبا على
معنى افعلوا ذلك.
(ولو يشاء الله لانتصر منهم).
أي لو يشاء الله لعذبهم وأهلكهم لأنه قادر على ذلك.
(ولكن ليبلو بعضكم ببعض).
المعنى ولكن أمركم بالحرب ليبلو بعضكم ببعض، أي ليمحص الله
المؤمنين ويمحق الكافرين.
وقوله: (والذين قتلوا في سبيل الله فلن يضل أعمالهم).
ذكر في أول السورة: (الذين كفروا وصدوا عن سبيل الله أضل أعمالهم) وأعلم أن الذين قاتلوا في سبيل الله فلن يضل أعمالهم.
ويقرأ على أربعة أوجه:
قاتلوا في سبيل الله، وقتلوا في سبيل الله، على ما لم يسم
فاعله، ويقرأ قتلوا بتشديد التاء، ويقرأ قتلوا في سبيل الله، بفتح القاف.
* * *
وقوله: (سيهديهم ويصلح بالهم (5)
يصلح لهم أمر معاشهم في الدنيا مع ما يجازيهم به في الآخرة، كما
قال - عز وجل -: (ولو أنهم أقاموا التوراة والإنجيل وما أنزل إليهم من ربهم لأكلوا من فوقهم ومن تحت أرجلهم)
أي لو أنهم قبلوا ما فيها وما في الكتب وعملوا به لأكلوا من فوقهم ومن تحت أرجلهم، وكما قال:
(استغفروا ربكم إنه كان غفارا (10) يرسل السماء عليكم مدرارا (11) ويمددكم بأموال وبنين ويجعل لكم جنات ويجعل لكم أنهارا (12)
فوعد الله عز وجل المؤمنين إصلاح شأنهم وبالهم في الدنيا والآخرة.
* * *
وقوله: (والذين كفروا فتعسا لهم وأضل أعمالهم (8)