سورة مريم
vol. 3 · p. 333
(وكان عند ربه مرضيا).
أصله مرضوا، وهو جائز في اللغة غير جائز في القرآن لأنه مخالف
للمصحف، والخليل وسيبويه وجميع البصريين يقولون: فلان مرضو ومرضي
وأرض مسنوة ومسنية إذا سقيت بالسواني أو بالمطر، والأصل الواو إلا أنها
قلبت عند الخليل لأنها طرف قبلها واو ساكنة ليس بحاجز حصين، وكأنها
مفعل بضم العين، ومفعل من أدوات الواو يقلب إلى مفعل، لأن الواو لا
تكون طرفا وقبلها متحرك في الأسماء، وأما غير سيبويه والبصريين فلهم فيه
قولان:
قال بعضهم: لما كان الفعل منه رضيت فانتقل من الواو إلى الياء.
صار مرضيا. وقيل إن بعض العرب يقول في تثنية رضى رضيان ورضوان.
فمن قال رضيان لم يكن من قوله إلا مرضي، ومن قال رضوان في التثنية جاز
أن يقول فلان مرضو ومرضي.
* * *
وقوله سبحانه: (ورفعناه مكانا عليا (57)
جاء في التفسير أيضا أنه رفع إلى السماء الرابعة، وجاء في التفسير
أيضا أنه سأل ملك الموت حتى سأل الله - جل وعز - أن رفعه فأدخل النار ثم أخرج فأدخل الجنة فقيل له في الخروج فقال: قد قال الله عز وجل: (وإن منكم إلا واردها) وقال في أهل الجنة: (وما هم منها بمخرجين) فأقره
الله عز وجل في الجنة.
وهذا الحجاج إنما هو في القرآن - والله أعلم.
vol. 3 · p. 334
وجائز أن يكون قد أعلم الله - عز وجل - إدريس ورود الخلق النار وأنهم
مخلدون في الجنان قبل إنزاله القرآن، وجاء القرآن موافقا ما علم إدريس.
وجاء في التفسير أنه رفع كما رفع عيسى.
وجائز أن يكون - والله أعلم - قوله: (ورفعناه مكانا عليا) أي في
النبوة والعلم.
* * *
وقوله عز وجل: (أولئك الذين أنعم الله عليهم من النبيين من ذرية آدم وممن حملنا مع نوح ومن ذرية إبراهيم وإسرائيل وممن هدينا واجتبينا إذا تتلى عليهم آيات الرحمن خروا سجدا وبكيا (58)
قد بين الله سبحانه أن الأنبياء كانوا إذا سمعوا بآيات الله - عز وجل -
سجدوا وبكوا من خشية الله.
و (بكيا) جمع باك، مثل شاهد وشهود وقاعد وقعود.
و (سجدا) حال مقدرة
المعنى: خروا مقدرين السجود لأن الإنسان في حال خروره لا يكون ساجدا و (سجدا) منصوب على الحال.
ومن قال: (بكيا) ههنا مصدر فقد أخطأ لأن (سجدا) جمع ساجد و (بكيا) عطف عليه، ويقال بكى بكاء وبكيا.
* * *
وقوله عز وجل: (فخلف من بعدهم خلف أضاعوا الصلاة واتبعوا الشهوات فسوف يلقون غيا (59)
يقال في الرداءة خلف - بإسكان اللام - تقول خلف سوء وفي
الصلاح خلف صدق - بفتح اللام - وقد يقال في الرداءة أيضا خلف - بفتح اللام - وفي الصلاح بإسكان اللام، والأجود القول الأول.
(أضاعوا الصلاة واتبعوا الشهوات).
جاء في التفسير أنهم صلوها في غير وقتها، وقيل أضاعوها وتركوها ألبتة
وهذا هو الأشبه، لأنه يدل على أنه يعنى به الكفار.
ودليل ذلك قوله: (إلا من تاب وآمن).
وقوله: (فسوف يلقون غيا)