مقدمة التحقيق
vol. 1 · p. 17
العلوم والفنون الأخرى كي يتمتعوا ببلاغته وفصاحته، وإعجازه، ولكي يظهروا الفرق الشاسع بين كلام الخالق والخلق، فما من سورة من سوره ولا آية من آياته ولا كلمة من كلماته إلا ويدور حولها بحث بألسنة الباحثين والمؤلفين وأقلامهم.
وقد شرف الله بهذا الكلام المعجز للعالم محمدا خاتم النبيين وجعله مبينا لما أجمل فيه وشارحا ما يحتاج إلى الشرح بقوله: {وأنزلنا إليك الذكر لتبين للناس ما نزل إليهم} 1 وجعل عبء مسؤوليته وثقل رسالته من بعده على عاتق أمته وكاهل علمائها، وهم الوارثون رسالته حيث يقول: {قل هذه سبيلي أدعو إلى الله على بصيرة أنا ومن اتبعني} 2.
فكان كل فرد من مخلصي هذه الأمة وعلمائها يتنافس مع غيره في أخذ نصيبه من الميراث، ويسابق الآخرين للاشتراك في أداء الرسالة، وكان العلامة المحقق والفهامة المدقق فريد عصره ووحيد دهره جمال الدين أبو الفرج عبد الرحمن بن علي بن الجوزي القرشي، رحمه الله رحمة واسعة، واحدا منهم، فقد جاهد في سبيل الله بلسانه وقلمه وألف في شتى الفنون حوالي (380) كتابا حسب ما وصل إليه العلم، ومعظم مؤلفاته كانت مهملة تأكلها الأرضة والتراب. وكان من بينها كتاب لطيف فريد في نوعه (نواسخ القرآن) وها هو اليوم بعون الله وتوفيقه يظهر من عالم
vol. 1 · p. 18
المخطوطات ليكون في متناول الدارسين والباحثين، وذلك لأول مرة بعد غيابه حوالي ثمانية قرون عرضة للعث والأرضة، فلله الحمد والمنة.
vol. 1 · p. 19
أهمية الموضوع:
إن موضوع هذا الكتاب الذي بين يديك، وهو (نواسخ القرآن)، أو (الناسخ والمنسوخ في القرآن) من أهم الموضوعات وأجلها قدرا في شريعتنا الغراء، لأن مدار الدين كتاب الله سبحانه وتعالى، فما ثبت فيه محكما غير منسوخ نفذناه، وعملنا به، وما كان منسوخا منه لم نعمل به ومعرفة ذلك مهمة كبيرة ومسؤولية عظيمة، وهي في نفس الوقت شاقة جدا لا يستطيع الإنسان الحكم فيها بعقله وتفكيره مهما كان ولا يمكن ذلك إلا بنقل صحيح ثابت عن صاحب الرسالة صلوات الله وسلامه عليه، ولا مجال للعقل أو الاجتهاد فيها، كما لا يجوز للإنسان أن يتصرف في مثل هذا الموضوع الحساس، بآرائه البحتة غير مستند إلى كتاب الله أو سنة رسوله صلى الله عليه وسلم، أو أقوال الصحابة المحكية عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، بسند صحيح ثابت خال من الجرح والعلة.
لذا، كان السلف الصالح يرى معرفة الناسخ والمنسوخ شرطا في أهلية المفسر للتفسير والمحدث للحديث، وقد كان أمير المؤمنين علي بن أبي طالب، وعبد الله بن عمر، وعبد الله بن عباس، رضي الله عنهم، لا يرضون لأحد أن يتحدث في الدين إلا إذا كان عارفا بالناسخ والمنسوخ من القرآن1. وقد جاء في الأثر عن ابن عباس رضي الله عنهما بأنه كان