الباب الثالث: باب بيان حقيقة النسخ
vol. 1 · p. 207
قلت: فإذا ثبت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم اختار بيت المقدس فقد وجب استقباله بالسنة، ثم نسخ ذلك بالقرآن.
والتحقيق في هذه الآية أنها أخبرت أن الإنسان أين تولى بوجهه فثم وجه الله، فيحتاج مدعي نسخها أن يقول: فيها إضمار. تقديره: (فولوا وجوهكم) في الصلاة أين شئتم ثم نسخ ذلك المقدر، وفي هذا بعد، والصحيح إحكامها1.
vol. 1 · p. 208
ذكر الآية الثامنة: قوله تعالى: {ولنا أعمالنا ولكم أعمالكم} 1.
قد ذهب بعض المفسرين إلى أن هذا الكلام اقتضى نوع مساهلة للكفار ثم نسخ بآية السيف، ولا أرى هذا القول صحيحا، لأربعة أوجه:
أحدها: أن معنى الآية: أتخاصموننا في دين الله2 وكانوا يقولون: نحن أولى بالله منكم، لأننا أبناء الله وأحباؤه ومنا كانت الأنبياء وهو ربنا وربكم أي: نحن كلنا في حكم العبودية سواء فكيف يكونون أحق به؟ {ولنا أعمالنا ولكم أعمالكم} أي (لا اختصاص لأحد به) 3 إلا من جهة الطاعة والعمل، وإنما يجازى كل منا بعمله. ولا تنفع الدعاوى وعلى هذا البيان لا وجه للنسخ.
والثاني: أنه خبر خارج مخرج الوعيد والتهديد.
والثالث: أنا قد علمنا أعمال أهل الكتاب وعليها أقررناهم.
والرابع: أن المنسوخ ما لا يبقى له حكم، وحكم هذا الكلام لا يتغير فإن كل عامل له (جزاء) 4 عمله فلو ورد الأمر بقتالهم لم يبطل تعلق أعمالهم بهم5.
vol. 1 · p. 210
ذكر الآية التاسعة: قوله تعالى: {إن الصفا والمروة من شعائر الله} الآية1.
قد ذكر عن بعض المفسرين أنه قال: معنى الآية فلا جناح عليه أن لا يطوف بهما. قال: ثم نسخ ذلك بقوله تعالى: {ومن يرغب عن ملة إبراهيم إلا من سفه نفسه} 2 والسعي بينهما من ملة إبراهيم3.
قلت: وهذا قول مرذول: لا يصلح الالتفات إليه، لأنه يوجب إضمارا في الآية ولا يحتاج إليه. وإن كان قد قرئ به فإنه مروي عن ابن مسعود، وأبي بن كعب، وأنس، وابن جبير، وابن سيرين، وميمون بن مهران4 أنهم قرأوا5 (فلا جناح عليه أن لا يطوف بهما) 6، ولهذه القراءة وجهان: