Skip to content

Books to be read, not browsed

مثل من يخلط أعمال السوء بأعمال البر — الأمثال من الكتاب والسنة

From ⁧الأمثال من الكتاب والسنة⁩ by ⁧أبو عبد الله محمد بن علي الحكيم الترمذي⁩ — leaf 287 of 317.

مثل من يخلط أعمال السوء بأعمال البر

vol. 1 · p. 299

فوجد صدره مشحونا بأشغال أحوال النفس وقلبه مشغوفا بحب الدنيا ونفسه مفتونة بالشهوات والمنى وعقله معتوها بالهوى رجع الأمير قهقرى ولا يجد محلا ولا مستقرا لأن في هذا القلب من العتاهة وفي هذه النفس من النهمات والشهوات وفي هذا الصدر من الأماني والفتن والمكر والغل والحسد والخيانة وأشغال وسواس العبد ما هو أقبح لأن هذه الأشياء أقبح من الخنازير ومن الهوى ما هو أكثر ضررا من النز فكيف يقدر الأمير أن يملك هذا القلب ويحل بهذا الصدر ويتملك على هذه النفس وكيف يقتضي العقل القيام بها

ومن وافى إمرته فوجد قلبا مشحونا بحب الله تعالى وصدرا مشرقا بنور الله تعالى ونفسا مزينة بنزهة بساتين الله تعالى وعقلا مشحونا بنور وجه الله تعالى حل به الأمير فشرب القلب حلاوة الأمر وطعمت النفس لبابه وازداد العقل بالرأفة التي تضمنت الأمر وظهر العمل على الأركان على حسب ما وصفنا من الباطن

وهذا لما ذكرنا أن الله تعالى لم يأمر عباده أمرا لجر منفعة ولا نهاهم لدفع مضرة ولكن أمرهم رأفة بهم ورحمة عليهم ولما فيه مصالحهم ودفع المضار عنهم

vol. 1 · p. 300

فأمره على نوعين فأمر منه موافق طبعه كقوله كلوا واشربوا الآية فتهتش إليه النفس وتسر به

وأمر يتثاقل عليه ويتباطأ كقوله صم عن الأكل والشرب فمن ساكن قلبه حب الله تعالى وعظمته وجلالته فشرب قلبه حلاوة الأمر لأن حلاوة الحب تحليه وعظمته تعظمه وجلاله يجله فتعمل الأركان على ما في الصدر والقلب فإن كان هذا الأمر محبوبا فهذه صفته وإن كان مكروها لاحظت عين فؤاده رحمة الله ورأفته عليه فمر في ذلك الأمر كالسهم وهانت عليه أثقالها ورأى أن أباه إذا أقعده بين يدي الختان ليختنه أو بين يدي الحجام ليحجمه أو بين يدي الطبيب ليشربه دواء من الأدوية المرة البشعة فلم يخل من وجع وألم وأذى ولكن لم يتهم والده في ذلك لما علم من رأفته وشفقته عليه فكذا لما رأى من رأفة الله ورحمته وشفقته عليه لا يتهمه بهذا الأمر وإن كان غير موافق طبعه فقبله مسرعا وقام به على الاهتشاش

فهذا أمير وافى قلبا غنيا وصدرا عامرا ونفسا طيبة نزهة ومن كان بخلاف تلك الصفة فقد وافى أمره قلبا خربا وصدرا ذا مروج وخنازير ونفسا بطالة شرهة وعقلا معتوها بالهوى فأمر الله جلا وعلا على هذه الأركان كما كان أمر الله على المنافقين الذين كانوا

Ed. Dr. al-Sayyid al-Jumayli — Dar Ibn Zaydun / Dar Usama