مثل القلب والنفس
vol. 1 · p. 225
عليه وإنما به ارتفاع العمل فيقول قد عملت وآخذ الأجرة
وإنما جرأه على ذلك غفلته عن رؤية الملك وعن العرض عليه
فكذا عمال الله تعالى على ثلاث طبقات فعامل يعمل لله كأنه يراه وعامل كأنه يراه الله وهو قوله صلى الله عليه وسلم حين سأله جبريل عليه السلام عن الإحسان فقال ( الإحسان أن تعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك )
فقال جبريل صلوات الله عليه فإذا فعلت هذا فأنا محسن قال نعم قال صدقت فهي درجة المحسنين
فالأول يعمل لله كأنه يرى ربه مشاهدة والآخر يعمل كأنه يراه ربه
فالأول قد أخذته رؤيته ربه والثاني قد أخذته رؤية ربه إياه
فالأول أعلى من الثاني لأنه قد كشف له الغطاء ورفع الحجاب فيما بينه وبين ربه وهو قول ابن عمر رضي الله عنه حين كلمه عروة بن الزبير رضي الله عنهما في الطواف فلم يجبه إلى أن قال ما قال فلما خرج قال إنك قد كلمتني وإنا كنا نتخايل الله بين أعيننا
وروي عن مالك بن دينار رحمه الله أنه قال مكتوب في
vol. 1 · p. 226
التوراة يا ابن آدم لا تعجزن أن تقوم بين يدي في صلاتك باكيا فإني أنا الله الذي اقتربت لقلبك وبالغيب رأيت نوري
فهذا لمن رفع له الحجاب حتى رأى نوره وهو أعلى
والثاني رفع الحجاب له بقدر ما رأى أنه ينظر إليه ويراه ولم يعد
وأما سوى الروية وهو قوله صلى الله عليه وسلم ( فإن لم تكن تراه فإنه يراك ) فهذا الثاني يعمل وقلبه إلى العرض الأكبر وهو قوله تعالى يومئذ تعرضون لا تخفى منكم خافية فيجهد لهذه وليس له زينة العمل وإنما له إحكامه فهذا صادق والأول صديق هذا محجوب والأول من وراء الحجاب قد انكشف له الغطاء فبه يعمل
وعامل ثالث يعمل على الغفلة ليس على قلبه ذكر المشاهدة ولا ذكر العرض إنما هي عادة النفس تعمل بأعمال البر على العادة والجزاف وعلى ترائي الثواب من غير تصحيح ولا طهارة القلب ولا تتوقى فأعماله توضع في الخزائن ليحصل ما في صدره يوم العرض فإن الله تعالى كان شاهدا عليه في وقت عمله لا يخفى