المفردون
vol. 1 · p. 207
يكون الحق مستعمله وإذا لم يجد في الصدر مأمنا فقد نفرفلم يأمن خيانة النفس وميل القلب فصاحبه في طلبه وهو ماض عنه
وقولنا مهبط رحمته وموضع نظره فهي معروفة فإذا كانت الكعبة مهبط الرحمة فكذلك قلب المؤمن مهبط حب الله تعالى ورأفته ومهبط جوده وكرمه وعين الله ترعاه وموضع نظره أيضا
الخبر ( إن الله تعالى لا ينظر إلى صوركم ولا إلى أعمالكم ولكن ينظر إلى قلوبكم ونياتكم فمن كان له قلب صالح تحنن الله تعالى عليه فإذا تحنن عليه رعاه وصيره في قبضته )
الخبر الذي قال ( كنت سمعه ) وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ( ألا إن التقوى ها هنا ثلاثا وأشار إلى الصدر في كل مرة )
وأعظم التقوى ما اتقى في الحرم فإذا اتقى فإنما يتقي على الصيد والشجر واللقطة فإذا كان ذلك كذلك فالتقوى الذي أشار إليها صاحب الشرع فهي على كنوز المعرفة وعلى أشجارها في الصدر وعلى لقطتها وعلى من التجأ إليه مأمنا فأوفر الناس حظا في الكعبة
مثل رجل له عبد رباه بين يديه
vol. 1 · p. 208
من عظم شأنها واتقى على حرمها وأكثر الطواف بها وإنما يفعل ذلك من شم رائحة الكعبة ونظر إليها بعين الصحة لا بعين السقم من قلب لا سقم فيه من شهوات النفس وإرادات الهوى فنظر بعين ذلك القلب إلى بهاء الكعبة وإلى ذلك الشيء الذي به صارت الكعبة كعبة لا إلى تلك الأحجار لأنها قد كانت كعبة ولا أحجار وكانت الملائكة والأنبياء صلوات الله عليهم أجمعين تحجها فيما بين نوح وإبراهيم عليهما السلام ولا أحجار ثمة
فأوفر الناس حظا من خزانة الله التي في قلب المؤمن من عظم شأنها واتقى على صدره وأكثر الطواف حول الخزانة حتى يدر عليه ولي الخزانة من الكنوز كما يدر الضرع على حالبه من اللبن فإن البقرة والشاة تدر من ضرعها على ولدهما لترضعهما بالرأفة والرحمة التي وضعت فيها ولولا تلك الرحمة لولدها ما در لبنها
ألا ترى أن الحالب يقدم عند الحلب ولدها إليها أولا حتى ترسل اللبن ثم يفطم ولدها عنها ويحلبها ولو مات ولدها مثل لها مثال ولدها بأن يحشى جلد ولدها تبنا ويوضع بين يديها لتنخدع بذلك فتدر لبنها
فأراك هذا رب البقرة من خلقه وعرفك أن الذي تصيب من عندي فتدر عليك رحمتي