مثل التسبيح والثناء والقرآن مع التقوى
vol. 1 · p. 171
باطنهما فحضر الكرم فوجدهما في ظلال بين الثمار والأعناب والوقت وقت الظهيرة فبعثهما إلى الحصاد والدياس فمر أحدهما من ساعته مسرعا ممتثلا أمره والآخر أخذ في التلكؤ والتغافل فعلم من رأيهما بعد الامتحان أن ذلك الأول ممن أطاع مولاه على الصفاء والإخلاص والآخر على هوى نفسه فلما استقبله خلاف هواه ترك طاعته وتأنى بالكسل والتثاقل فهذا تابع هواه
فكذلك العبيد عند الله تعالى من عبد الله تعالى للهوى وللنفس فيه نصيب يمر فيه وإذا أتاه أمر يثقل عليه هرب منه وضيع الحق فإذا أتاه محبوب سارع إليه فلا يكون هذا من المحقين أبدا
مثل الموسرين أحدهما ينفق ماله في هوى نفسه والآخر ينفق ماله في وجوه الخير من إطعام الطعام وصلة الأرحام ومصارف الحق وأشباه ذلك مثل رجلين دعاهما الملك فأودع كل واحد منهما خزانة فقال أمسكا واحفظا فمن جاءكما برقعتي فأعطياه ما في الرقعة مقدارها وها هنا عسكران عسكري وعسكر العدو فإياكما أن تصرفا شيئا من هذا المال إلى عسكر العدو
vol. 1 · p. 172
فذهب أحدهما واستعفاه من قبوله فلم يعفه منه فقبله على ضرورة وهو ثقيل عليه فكل من أتاه برقعته أدر عليه ما تضمنته الرقعة مغتنما لحقه حتى صدروا إلى الملك حامدين له شاكرين بباب الملك مثنين عليه ناشرين عنه جميلا ثم عمد إلى صرته فأنفق على ما فيه قوة عسكر الملك فإذا قدم للحساب قرت عينه بأداء الأمانة والامتثال لأمره
وأما الآخر فإنه لما قبل الوديعة ذهب يفتخر بها ويتطاول على نظرائه ويباهي بها أشكاله ثم أخذ يصرفها إلى ملاهيه وهواه وقبيح عمله وأنفذها إلى عسكر العدو فكل من عقل أمره تعجب منه وبهت في أمره بغفلته وبلاهته وقبح عمله فإذا جاءته رقعة الملك دافع وسوف حتى رجع أصحاب الرقاع إلى الملك بها ذامين له متذمرين لفعله ثم لما صرفها في الوجوه عمد إلى أسلحة ودواب فأنفذها إلى عسكر العدو فإذا قدم إلى الحساب سأله ما صنعت في وديعتنا وأموالنا ومواثيقنا لم يكن له جواب إلا