مثل المؤمنين
vol. 1 · p. 97
وعلم الصفات وعلم الأسماء فهي مكتوبة لا يكاد صاحبها يميز ولا يعبر عنها فإذا عقل واستعمل عقله وتبحر ظهرت الأنوار في الصدر وانكشف الغطاء وحيي القلب وعمل بذكاوة الحياء فجددته وعمل بحلاوة الحب فأخذ بمجامع قلبه وسبته حتى صار أسير الحب وعملت أثقال الرأفة فضغطت القلب وعصرته وعملت أمطار الرحمة فلينت القلب وسكنت شعوثته واغتراره وعملت أنفة الحياء فقبضته وفترته وعمل الجود فيه فوسعه وأعتقه من رق النفس
فهذه معرفة قد انكشفت الصرة عما فيها من هذه الأسماء التي وصفتها فاستقام القلب بما أبصر فؤاده في هذا الصدر من هذه الأسماء فاستعمل بالمعروف الموصوف فلها عن كل شيء سواه فأحبه صدقا وخافه صدقا ورجاه صدقا واستحيا منه صدقا ورعى حقوقه من تلك الرأفة صدقا فما ظنك به ماذا يظهر على جوارحه من الأعمال السنية
وآخر وضعت فيه هذه المعرفة فجاءت الشهوات فغطتها ولم يستعمل صاحبها العقل ولم يتبحر في ذلك فاستعمل الشهوات
vol. 1 · p. 98
فتراكمت على صدره غيومها وغبارها ودخانها فكل شهوة استعملها من حلها وللنفس نصيب الإكباب صارت غيوما وكل شهوة استعملها من حلها وللنفس فيها نصيب الغفلة فاستعمل القلب ذلك في غفلة عن الله صار غبارا في الصدر وكل شهوة استعملها بحرص وهلع وتخليط صار دخانا وكل شهوة استعملها من غير حلها صارت ظلمة كالليل فبقيت هذه المعرفة في القلب والصدر متراكمة هذه الأشياء فيه ولم تجد المعرفة مساغا إلى أن تشرق بما فيها من باب القلب إلى الصدر حتى تبصر عين الفؤاد ذلك فتقوى وتستقيم وتستمر في العبودية فصار القلب بكنوزه كالمسجون الذليل وصاحبه 56 فقير محزون لأن غناه بحطام الدنيا وحزنه بما يفوت من الدنيا فلا يناله ويحرص ويكد ويتعب فلا يدرك مناه والعدو منه بمرصد ينتظر متى يجد فرصة الإغارة على هذا الكنز
فأصحاب هذه الصفة صنفين فمنهم من أحاط بقلبه عسكر أعمال البر فهو يعمل دائما أعمال البر وهو في خلال ذلك يرائي بعمله ويتصنع بشمائله ويستلذ بخلائقه ويباهي في أمور الله يزل مرة ويثبت أخرى تراه مرة مستقيما ومرة مترديا