الأمثال مرآة النفس
vol. 1 · p. 14
أسماعا وأبصارا فما أدركت أسماع الرؤوس وأبصارها أيقن به القلب واستقرت النفس واتسعت في علم ذلك وانشرح صدره بذلك وما غاب عن أسماع الرؤوس وأبصارها وجاءت أخبارها عن الله وتلك الأشياء مكنونة أيقن القلب بذلك ولكن تحيرت النفس وتذبذبت
وإن النفس مستقرها في الجوف والقلب مستقره في فوق النفس فالقلب كدلو معلق في الصدر بعروقه وبما فيه من المكنون وتحته النفس وفيها الشهوات والهوى ريح من تنفس النار خرجت إلى محل الشهوات بباب النار واحتملت نسيمها وأفراحها حتى أوردتها على النفس فإذا هبت ريح الهوى بأمر وجاءت بذلك النسيم والفرح إلى النفس تحركت النفس وفارت ودب في العروق طيبها ولذتها في أسرع من اللحظة فإذا أخذت النفس في التذبذب والتمايل والاهتشاش إلى ما تصور وتمثل لها في الصدر تحرك القلب وتمايل هكذا وهكذا من وصول تلك اللذة إليه فإذا لم يكن في القلب شيء يثقله ويسكنه مال إلى النفس فاتفقا واتسقا على تلك الشهوات فإن كانت تلك منهيا عنها فبرز إلى الأركان فعلها فصارت معصية وذنبا
وإنما يثقل القلب بالعلم الله لأن العلم بالله يورث الخشية
vol. 1 · p. 15
فإذا تأدت تلك الخشية إلى النفس ذبلت وتركت التردد فاستقر القلب
والعلم بالله يورث ب فإذا تأدى ذلك الحياء إلى النفس انكسرت وخجلت فإذا جهل القلب ربه صار صفة القلب مع النفس على ما وصفنا بديا
والقلب موقن بالله تعالى بيقين التوحيد فإذا جاءت نوائب الأمور استقر القلب بذلك اليقين لأنه ليس في القلب شهوة وتذبذبت النفس وترددت بالشهوة التي فيها
فإذا ضربت لها الأمثال صار ذلك الأمر لها بذلك المثل كالمعاينة كالذي ينظر في المرآة فيبصر فيها وجهه ويبصر بها من خلفه لأن ذلك المثل قد عاينه ببصر الرأس فإذا عاين هذا أدرك ذلك الذي غاب عنه بهذا فسكنت النفس وانقادت للقلب واستقرت تحت القلب في معدنها فهي كالعماد لسطح البيت فإذا تحرك العماد تحرك السطح وانهار وتبدد العماد
فضرب الله الأمثال لنفوس العباد حتى يدركوا ما غاب عن