مثل الدنيا وانخداع الأحمق بها
vol. 1 · p. 298
عن زيد بن أسلم رحمه الله أنه قال لي حديثان أحدث بهما إذا خلوت
مثل الائتمار بأمر الله تعالى ومثل القلوب مثل أمير ولي على كورة فوردها فوجد الكورة غياضا ومروجا وآجاما فيها الخنازير والسباع ومياه النز فلما نظر اليها رجع ناكصا على عقبيه فقال ليس مع هذا النز قوام ولا مع هذه الخنازير عيش ولا إمرة
وولي آخر على كورة أخرى فوجدها ذات قصور وبساتين وأنهار جارية وأشجار ومساكن نزهة وسكان كثيرة وأسواق مزينة فيها ألوان المتجر فحل بهم واستقر قراره وملكهم وتأمر عليهم ففتح باب خزائنه وقسم كنوزه فيما بينهم 92 حتى أغناهم وقواهم
فأمر الله تعالى عباده بأمور ونهاهم عن أشياء لا لجر نفع ولا لدفع ضر لكن رحمة منه عليهم ورأفة بهم فمن وافاه أمره
مثل من يخلط أعمال السوء بأعمال البر
vol. 1 · p. 299
فوجد صدره مشحونا بأشغال أحوال النفس وقلبه مشغوفا بحب الدنيا ونفسه مفتونة بالشهوات والمنى وعقله معتوها بالهوى رجع الأمير قهقرى ولا يجد محلا ولا مستقرا لأن في هذا القلب من العتاهة وفي هذه النفس من النهمات والشهوات وفي هذا الصدر من الأماني والفتن والمكر والغل والحسد والخيانة وأشغال وسواس العبد ما هو أقبح لأن هذه الأشياء أقبح من الخنازير ومن الهوى ما هو أكثر ضررا من النز فكيف يقدر الأمير أن يملك هذا القلب ويحل بهذا الصدر ويتملك على هذه النفس وكيف يقتضي العقل القيام بها
ومن وافى إمرته فوجد قلبا مشحونا بحب الله تعالى وصدرا مشرقا بنور الله تعالى ونفسا مزينة بنزهة بساتين الله تعالى وعقلا مشحونا بنور وجه الله تعالى حل به الأمير فشرب القلب حلاوة الأمر وطعمت النفس لبابه وازداد العقل بالرأفة التي تضمنت الأمر وظهر العمل على الأركان على حسب ما وصفنا من الباطن
وهذا لما ذكرنا أن الله تعالى لم يأمر عباده أمرا لجر منفعة ولا نهاهم لدفع مضرة ولكن أمرهم رأفة بهم ورحمة عليهم ولما فيه مصالحهم ودفع المضار عنهم