مثل الواعظ الناصح
vol. 1 · p. 241
مثل الغافل عن الله تعالى مثل رجل أخذ الملك بيده فطاف به في قصوره وبساتينه ومتنزهاته حتى عاين ما فيها ثم أدخله في خزانته فطاف به فأراه جميع ما في خزانته ثم أفشى إليه أسراره التي تكون في عداد الثواب والدرجات وأسرار تدبير الملك أراد بذلك أن يتعلق قلبه به وتطمئن إليه نفسه ويكون من خواص خدمه بين يديه لا يبرح من الخدمة فتعلق به قلبه واندس في أموره ولزم باب الملك ونسي أحوال نفسه فلو وسع عليه بعد ذلك أو ضيق أو بره أو منعه بره لم يبرح الباب لما اطلع عليه من أسراره لأنه عرفه معرفة لا تتهمه في المنع والضيق
وآخر فتح له الباب فوقف به على الباب ولم يطف به ولا أطلعه على أسراره وبقي على الباب ليس له دخول على الملك ولا معه سر ولا شيء فإذا هذا الشيء أحله هذا المحل خرج من الباب وقام مع ذلك الذي لا يؤذن لهم بهذه الكرامات فأعجب العقلاء من فعل هذا أن الملك اختارك من الجميع وعطف عليك وأظهر عليك محبته وعليك بسط رأفته وشفقته وآثرك على هذا الملإ الكثير فأخذ بيدك من جملتهم واستخرجك وخلصك من بينهم ليطوف بك في قصوره وليطلعك على أسراره واختارك لكشف
مثل من أعطي نور الهداية
vol. 1 · p. 242
أسراره عليك في تدبير المملكة فتركت ما هنالك ووليت معرضا لم تر شيئا وأقبلت على فهم نفسك تتشبه في سيرتك وآدابك وأعمالك بهذا المخذول المطرود المحروم على الباب الذي لم يعبأ به كأن جميع ذلك عندك لا شيء وتركهم كأنهم في مفازة حيارى ثم لم يزالوا في أعمالهم حتى أوقعهم في أرض شاكة ملتفة أشجارها حديدة شوكها فهم في فياف جياع عطاش جرحى من ذلك الشوك والحسك فما الذي يؤمنك أن يرمي بك الملك لتشبهك بهم في آدابهم وسيرتهم فينحيك إلى الباب ويسده عنك حتى تقع في مفازة الحيرة والأرض الشاكة
فربنا جل جلاله خلق دارا فحشاها بالرحمة وملأها بساتين ونعيما ورياضا وقصورا وأعدها لعباده وخلق سجنا فحشاها بسلطانه وغضبه وملأها بعذابه وأعدها للذاهبين برقابهم وأظهر من ملكه في ملكوت عرشه ولا حاجة له إلى شيء من ذلك إنما فعل هذا كله من أجل الآدميين منة 82 فاختار من كل ألف من عباده واحدا ففتح الباب له حتى عاين هذه الأشياء وترك الباقين في مفازة الحيرة الشاكة وهي المعاصي فتردوا في آبار الكبائر وجرف الجبابرة ويرتعون في القاذورات والكناسات فإذا كان هذا الواحد