مثل من استعمل عقله وذهنه في أمور الدنيا
vol. 1 · p. 190
فالمؤمن أعطي المعرفة وقيل له تبحر في علم هذه المعرفة وانظر إلى ما ظهر لك من عظمته وقدرته وجلاله وملكه وانظر إلى تدبيره وحكمته وصنائعه وانظر إلى مجده وإحسانه فذهب بهذا النظر بما أعطى من النور إلى أشغال النفس وأمور الدنيا فخاب وخسر
وإن ذهب بهذا النظر إلى ما ذكرنا بما أظهر ربنا تبارك وتعالى من أموره ازداد يقينا وخشية وخوفا وحياء وازداد حسن الظن بالله تعالى واستغنى به عن جميع خلقه ولذلك قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ( إن يوما لا أزداد فيه علما بقربي إلى الله تعالى لا بورك لي في طلوع شمس ذلك اليوم )
وروي لنا أن رجلا جاء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال يا رسول الله علمني غرائب العلم قال ( ما صنعت في رأس العلم ) فقال له ( هل عرفت ربك ) قال نعم فقال ( ما صنعت في حقه ) قال ما شاء الله قال ( هل عرفت الموت ) قال نعم قال ( فما أعددت له ) قال ما شاء الله قال ( فاذهب فتعلم رأس العلم ثم تعال حتى أعلمك غرائب العلم )
فإنما دله رسول الله صلى الله عليه وسلم على العلم بالله ليقوم بحقه
ألا ترى أنه سأله عن حقه ليعلم أن من ضيع حقه وجهل
vol. 1 · p. 191
حقه ثم ادعى علما به فهو كاذب في مقالته فإنما ذاك علم سمعه بأذنه وأودعه حفظه وليس في قلبه منه إلا الإيمان به
فهذه البدرة التي أعطاك الملك لتنفق منها وأعطاك ربك جل جلاله هذا الذهن والعقل فمن استعمل عقله في التفكر في أمر الله فقد وضع النفقة موضعها وقد أنفق على الضيف لأن المعرفة موضعها القلب وحولها بحور العلم بالله فذلك كله ثبات المعرفة واستقامتها لئلا تصير المعرفة نكرة بينما أنك تعرف ربك بالجود والكرم والوفاء ثم تصير معرفتك نكرة فتتملق إلى عبيده في النوائب وتتعلق بهم وتتخذهم من دونه وكيلا ووليا فتعرف ربك بالكفاية وتستظهر بمن دونه حتى تقع في آبار المهالك وتصير مداهنا ومتصنعا ومرائيا تتزين لخلقه وتترضاهم بالقبائح والمشاين فيما بينك وبين ربك ونعوذ بالله من ذلك
مثل الإيمان وصحته وسقمه مثل رجل يريد أن يشترى عبدا