مثل المعرفة مثل قطب الرحا
vol. 1 · p. 189
خاليا إلا بمقدار ذلك النور الذي حل به من نور المعرفة وما حوله من القلب خال فتدخل عليه ظلمات الهوى فتختلط به ويجاوره بجوار السوء حتى يذوب ذلك النور وينتقص فيوشك صاحب هذا أن يسلب حتى لا يبقى معه شيء نعوذ بالله من تلك الحال
وحكى أن إبراهيم بن جنيد رحمهما الله قال كان يقال همة الزهاد والعباد مخالفة الأهواء عن الشهوات وهمة العقلاء والأولياء ترك الذنوب وإصلاح القلوب
مثل الإيمان مثل الضيف الكريم بعثه الملك إليك ضيفا وأمرك بالإحسان إليه فإن تركك على ذلك وقعت في الجهد والمعالجة والاستدانة والحور تنفق عليه وتحسن فإن أعطاك الملك بدرة من الدنانير وقال أنفق على هذا الضيف ولا تقتر وأحسن إليه ولا تقصر فقد استرحت فإن كنت تركت الضيف ضائعا وتنفق الدنانير على أهلك وولدك فقد خنت وخسرت
مثل من استعمل عقله وذهنه في أمور الدنيا
vol. 1 · p. 190
فالمؤمن أعطي المعرفة وقيل له تبحر في علم هذه المعرفة وانظر إلى ما ظهر لك من عظمته وقدرته وجلاله وملكه وانظر إلى تدبيره وحكمته وصنائعه وانظر إلى مجده وإحسانه فذهب بهذا النظر بما أعطى من النور إلى أشغال النفس وأمور الدنيا فخاب وخسر
وإن ذهب بهذا النظر إلى ما ذكرنا بما أظهر ربنا تبارك وتعالى من أموره ازداد يقينا وخشية وخوفا وحياء وازداد حسن الظن بالله تعالى واستغنى به عن جميع خلقه ولذلك قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ( إن يوما لا أزداد فيه علما بقربي إلى الله تعالى لا بورك لي في طلوع شمس ذلك اليوم )
وروي لنا أن رجلا جاء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال يا رسول الله علمني غرائب العلم قال ( ما صنعت في رأس العلم ) فقال له ( هل عرفت ربك ) قال نعم فقال ( ما صنعت في حقه ) قال ما شاء الله قال ( هل عرفت الموت ) قال نعم قال ( فما أعددت له ) قال ما شاء الله قال ( فاذهب فتعلم رأس العلم ثم تعال حتى أعلمك غرائب العلم )
فإنما دله رسول الله صلى الله عليه وسلم على العلم بالله ليقوم بحقه
ألا ترى أنه سأله عن حقه ليعلم أن من ضيع حقه وجهل