أصحاب هذه الصفة صنفان
vol. 1 · p. 186
مثل الإيمان والأعمال الصالحة مثل بيت وضع فيه غصن من الورد والياسمين والسوسن مما يفوح ريحه فيطيب البيت ما دام البيت مرشوشا ذا روح والغصن طري بمائه فريحه فائح فإذا هب الروح من البيت وتمكن فيه الحر ذبل الغصن وذهبت طراوته وافتقد طيبه
فكذا الإيمان في قلبه طري نزه بنزاهة القلب فإذا نالته حرارة شهوات النفس وفوران الهوى وحدة حرارة الحرص وطلب العلو وحب العز والرياسة فأحاطت هذه الأشياء بالقلب ذبلت شجرة الإيمان وذهبت طراوتها ونزاهتها
مثل طيب الإيمان على القلب مثل عود ألقيته على جمرة ليتوقد ويتبخر به المسجد فإذا كانت الجمرة ذات توقد فاح ريح البخور وانتفع القوم به وإذا كانت الجمرة منطفئة قد علاها الرماد بقي العود مكانه ولم يكن له بخور
مثل المعرفة مثل قطب الرحا
vol. 1 · p. 187
مثل الإيمان في القلب مثل غراسة غرستها في الأرض عودا كالسواك فالتفت عليها الأرض فأن أنت سقيتها وأمددتها بالتراب وأضحيتها للشمس فعن قريب تصير شجرة باسقة في السماء غلظ ساقها وكثر فروعها وتمكنت من الأرض 72 عروقها وزكت ثمرتها
فإن قصرت في السقي والتراب وسطحت فوقها فلم تدركها الشمس تكون عويدة كما غرستها ثم عن قريب تيبس وتقلع ويرمى بها في النار
فكذا نور الإيمان إذا دخل القلب فسقيه العلم بالله فكلما ازددت بالله علما ازداد القلب بالله حياة وازداد كشفا ووضوحا بربوبيته
ومدده أعمال البر وهي أداء الفرائض واجتناب المحارم فكلما عملت برا كان نور ذلك العمل راجعا إلى نور المعرفة فيزداد
vol. 1 · p. 188
قوة بنور المعرفة لأنه إذا رفع عمله إلى الله تعالى نظر الله إليه فاشتغل بذلك فذلك العمل النور وأصله في القلب وفرعه عند الله تعالى فإذا اشتعل الفرع نورا بنظر الله تعالى إليه تأدى ذلك النور إلى الأصل فاختلط بنور المعرفة فتزكى وإضحاؤها للشمس رفع العلائق وهو ركوب الهوى في الشهوات فإذا زال الهوى عن القلب كان بمنزلة بيت رفع سقفه حتى خلص إلى الشجر حر الشمس فعندها يغلظ ساقه وتكثر فروعه وتزكو ثمرته كعود غرسته في وعاء مثل الحب وفي أصل الحب تراب فلم يزل هذا العود ينمو بسقي الماء وإشراق الشمس حتى صار ذا ساق غليظ امتلأ من غلظه هذا الحب حتى لم يبق فيه موضع ظفر فإذا امتلأ لم يكن لشيء غيره مساغ فيه أن يدخله
فكذلك المعرفة إذا تمكنت في القلب عروقها لا يزال يربو على ازدياد العلم بالله وبأسمائه وبربوبيته وتدبيره وعلى أعمال البر وقطع العلائق حتى يمتلئ القلب منه فكان بدؤه نور المعرفة فلحقت به هذه الأنوار نور المعرفة وأنوار العمل فامتلأ القلب نورا حتى لم يبق في القلب موضع رأس إبرة خاليا عن النور فكيف تدخله ظلمة الهوى والنفس فإذا لم يربه بهذه الأنوار بقي القلب