الكنوز
vol. 1 · p. 177
يضره لأن سفينته بعرض البحر وطوله قد طبقت البحر فإن سكنت الريح أرساها وإن هاجت أجراها فالآدمي بحره حرصه الذي في جوفه فليس لحرصه نهاية كالبحر الذي لا يرى أطرافه وهو قول رسول الله صلى الله عليه وسلم ( لو كان لابن آدم واديان من ذهب لا بتغى إليه ثالثا ولا يملأ جوف ابن آدم إلا التراب )
أخبر أن صاحب هذا كلما ازداد تناولا من الدنيا لم يدعه ما في جوفه حتى يطلب مزيدا وذلك حرصه الذي غرق فيه قلبه فأهلكه
ثم قال في آخره ويتوب الله على من تاب فالتوبة من العبد إقباله إلى الله بقلبه والتوبة من الله على العبد إقباله على العبد بوجهه الكريم فتلك سفينته وكما أن السفينة بلا أداة وآلة ورجال لا تغني عنه شيئا فكذا التوبة لها شعب حتى تأتي بالشعب كلها وهو أن يعرض بقلبه عن جميع الشهوات والهوى فذاك الإقبال كل
حب الله تعالى
vol. 1 · p. 178
الإقبال فقد أمن الغرق لأنه قد وقع قلبه في بحار العظمة فامتلأ قلبه وصدره حتى شبع وروي وغاب الحرص عن صدره ودانت نفسه فصارت كسفينة قد طبقت عرض البحر فإذا هاج البحر فإنهما هو بحر العظمة جرت سفينته بريح طيب وشراعها حب الله تعالى وذكره وريحها شوق العبد فلو أخذ الدنيا كلها بكفه لقوي عليها ولم يضره لأن الحرص مفقود وإنما أخذها لله ثم ردها إلى الله فهو كالخازن يأخذها بحق ويمسكها بحق ويصرفها في حق ليست له في ذلك شهوة ولا نهمة
مثل الشهوات وترددها في الصدر بين عيني الفؤاد مثل ذبان تطير بين عيني الرأس وإنما يجتمع الذبان حيث يكون الشيء الحلو من الأشربة والأطعمة وكذا إذا اجتمعت الشهوات في صدر المؤمن وحلاوة الدنيا ولذاتها فلقيته مستقرا لها بترددهن فما دام الحر كائنا فذلك شأنهن فإذا جاء البرد لم يكن لها بقاء
فكذا صاحب الشهوات إذا جاءته من الله رحمة برد قلبه عن الشهوات فإن نور الرحمة يبرد الأشياء ويخمدها فإن برد الرحمة