الأسخياء والأجواد
vol. 1 · p. 162
هذه الأشياء فهذه كلها جنود القلب اجتمعت على عسكره في صدره من العلم به فالمعرفة كنز القلب والنفس سفينة الكنز في بحر الله الأعظم فإذا أثنى العبد على ربه أو مدحه أو دعاه باسم من أسمائه فإنما يخرج كلمته من فيه على قدر سلطانه من القلب ومملكة القلب
وكذلك أعمال أركانه فإنما يصعد ما يخرج منه إلى الله على قدر قوته في مملكته وسلطانه
مثل الهوى إذا مازج العقل في أمر واحد كمثل ماء صاف كالطل في الصفاء مازجه ماء من مياه الأنهار ففي ذلك الماء ترى الأشياء كلها كالمرآة إذا نظرت فيها وفي ماء الأنهار لا يرى إلا الخيال أمير بسط عدله في رعيته ودبر سلطانه فأعد سجنا وعقوبات لمن خلع يده عن الطاعة وفرق أعماله بين عماله وأعد حاجبا وخليفة ومرتزقة وأظهر كنوزه وقوته وأمر ونهى وأعلم الرعية أن من ائتمر بأمره فهو الوجيه عنده والخطير لديه المثاب على ذلك المقضي عنده حوائجه المتخذ لنفسه عنده قدرا حتى تظهر عنده مرتبته ومن لم يأتمر بأمره وركب هواه خلق وجهه عنده
مكارم الأخلاق
vol. 1 · p. 163
وبخس حظه وحرم ثوابه وحط قدره وبطلت رتبته فظهر في رعيته إنجاز وعده ووصول وعيده إلى من استحق ذلك وفي هذه الرعية طبقة مؤتمرون بأمره زائدون على ما وظف عليهم من أمره ناصحون له قد شغفوا به حبا وأعينهم مادة إلى ما يأمر وإلى ما يقضي وإلى ما يدبر لهم حتى يتلقوا تدبيره بالهشاشة ووجوه متطلقة وأفعال سمحة ويتلقوا أمره بالتعظيم ومع ذلك ينصحونه في رعيته فينشرون محاسنه وأفعاله وأخلاقه وحسن معاملته بالرحمة ويخبرون عن ملكه وجنوده وكنوزه وغناه ويحثون الرعية على طاعته والحمية له والجد في أموره والشفقة 68 على أودائه فهذه الطبقة أوجههم عند الأمير وأعظمهم قدرا لما أظهروا من النصيحة والحب له
فكذلك شأن الآدميين مع الله كان أوجههم عند الله تعالى أشكرهم له وأكثرهم نشرا لمحاسن أفعاله وأخلاقه وأعلمهم بصفاته وأغزرهم معرفة به وأوثقهم به وإن الله تعالى أظهر ملكه وخلق في ملكه خلقه ثم آتى كل ذي روح يتحرك في السموات ويدب في الأرض على قدره من ملكه بتلك الحياة التي جعل فيه فمن سار فيما أوتي من الملك بسيرته التي مثل له فقد تواضع لملكه ووضع نفسه لملكه فإذا دعي يوم المقدم عليه قدم