قراءة السلف
vol. 1 · p. 151
والنفس بما فيها من الهوى تدعو إلى الشهوات ولذات الدنيا وهي الفانية التي توجب عليك غدا الحساب الثقيل والحبس الطويل والسؤال المهيل فمن قلت كنوزه استولت النفس على قلبه ووهنت إمرته وأخذت بعنانه فسبته فبينما هو أمير إذ هو أسير في يدي الخارجي فعندها يعطل التدبير وخربت الكورة وضاعت الرعية فبان العلم
وإن النفس محتاجة إذ كانت بهذه الحال والقلب قليل الكنوز وإذا قلت الكنوز قلت الجنود وتفرق الحراس وضاعت السياسة فالنفس محتاجة إلى أن تشتغل بالأعمال المتعبة الشاغلة لها حتى لا تصل إلى الفساد
فلو أن هذا الأمير عرف أن هذا الخارجي ممن لا يؤمن خروجه عليه وهو في جواره وبلدته فأخذ الأمر بالحزم فعمد إلى كل من يجالسه ويثق به ويستظهر به فحا بينه وبينه وعمد إلى أسلحته فأخذها منه وقلده أمورا أتعبه فيها وشغله عن الفكر في ذلك الأمر الذي يتخوف منه فكذلك عامل الله إذا لم يفتح له الباب فيطالع فيكثر كنوزه ويجم علمه بالله وخاف نفسه أن تخرج
vol. 1 · p. 152
عليه كما وصفنا من أمر الخارجي الذي يشتهي الإمرة
فمن الحزم أن يقطع عنه الشهوات وأن ينظر إلى كل شيء من أمور الآخرة يحمل عنه الهوى أن ينتقل عنه إلى ضده مما ليس له فيه هوى لأن الطاعات كثيرة فرب طاعة تملكه حلاوتها فتصير هوى فينتقل إلى ما يتعب فيه وليس له فيه هوى وأن يتعبه بالغموم والهموم حتى ينغص عليه عيشه الذي استطابته نفسه بلهوها ولعبها وبطالتها فإن فتح له صار ملكا من الملوك الذين بالكنوز والهدايا والفوائد التي تأتيه من رب العالمين وإن لم يفتح له فأجر تعبه عند الملي الوفي الواحد الواحد بعشرة والواحد بسبعمائة والواحد بالأضعاف الكثيرة ونفسه ذليلة مقهورة في ذلك التعب والنصب 66
فبنوا إسرائيل حظوظهم من الله تعالى كثيرة وهذه الأمة أوفر حظا وذلك قوله تعالى قل إن الهدى هدى الله أن يؤتى أحد مثل ما أوتيتم أو يحاجوكم عند ربكم
وروي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال ( ما أعطيت أمة من الأمم من اليقين ما أعطيت أمتي )
وكذلك عن عيسى عليه السلام أنه قال في هذه الأمة فلذلك