24
vol. 1 · p. 82
معنى من معاني النحو قد أصيب به موضعه، ووضع في حقه أو عومل بخلاف هذه المعاملة، فأزيل عن موضعه، واستعمل في غير ما ينبغي له، فلا ترى كلاما قد وصف بصحة نظم أو فساده، أو وصف بمزية وفضل فيه، إلا وأنت تجد مرجع تلك الصحة وذلك الفساد وتلك المزية وذلك الفضل، إلى معاني النحو وأحكامه، ووجدته يدخل في أصل من أصوله، ويتصل بباب من أبوابه.
شواهد على فساد "النظم":
هذه جملة لا تزداد فيها نظرا، إلا ازددت لها تصورا، وازدادت عندك صحة، وازددت بها ثقة. وليس من أحد تحركه لأن يقول في أمر "النظم" شيئا، إلا وجدته قد اعترف لك بها أو ببعضها، ووافق فيها درى ذلك أو لم يدر. ويكفيك أنهم قد كشفوا عن وجه ما أردناه حيث ذكروا فساد "النظم"، فليس من أحد يخالف في نحو قول الفرزدق:
وما مثله في الناس إلا مملكا ... أبو أمه حي أبوه يقاربه1
وقول المتبني:
ولذا اسم أغطية العيون جفونها ... من أنها عمل السيوف عوامل2
وقوله:
الطيب أنت إذا أصابك طيبه، ... والماء أنت إذا اغتسلت الغاسل
وقوله:
وفاؤكما كالربع أشجاه طاسمه ... بأن تسعدا، والدمع أشفاه ساجمه
25
vol. 1 · p. 83
وقوله أبي تمام:
ثانيه في كبد السماء، ولم يكن ... كاثنين ثان إذا هما في الغار1
وقوله:
يدي لمن شاء رهن لم يذق جرعا ... من راحتيك درى ما الصاب والعسل
2 وفي نظائر ذلك مما وصفوه بفساد النظم، وعابوه من جهة سوء التأليف، أن الفساد والخلل كانا من أن تعاطى الشعر ما تعاطاه من هذا الشأن على غير الصواب، وصنع في تقديم أو تأخير، أو حذف وإضمار، أو غير ذلك مما ليس له أن يصنعه، وما لا يسوغ ولا يصح على أصول هذا العلم. وإذا ثبت أن سبب فساد النظم واختلاله، وأن لا يعمل بقوانين هذا الشأن، ثبت أن سبب صحته أن يعمل عليها ثم إذا ثبت أن مستنبط صحته وفساده من هذا العلم، ثبت أن الحكم كذلك في مزيته والفضيلة التي تعرض فيه، وإذا ثبت جميع ذلك، ثبت أن ليس هو شيئا غير توخي معاني هذا العلم وأحكامه فيما بين الكلم"3 والله الموفق للصواب.
شواهد على محاسن "النظم":
وإذا قد عرفت ذلك، فاعمد إلى ما تواصفوه بالحسن4،