Skip to content

Books to be read, not browsed

320 — دلائل الإعجاز في علم المعاني

From ⁧دلائل الإعجاز في علم المعاني⁩ by ⁧أبو بكر عبد القاهر بن عبد الرحمن بن محمد الفارسي الأصل، الجرجاني الدار⁩ — leaf 597 of 670.

320

vol. 1 · p. 608

وأما قولهم: "إنه قد يكون أن يسبق الشاعر في المعنى إلى ضرب من اللفظ والنظم، يعلم أنه لا يجيء في ذلك المعنى أبدا إلى ما هو منحط عنه" فإنه ينبغي أن يقال لهم: قد سلمنا أن الأمر كما قلتم وعلمتم، أفعلمتم شاعرا او غير اشعر عمد إلى ما لا يحصى كثرة من المعاني، فتأتى له في جيمعها لفظ أو نظم أعيا الناس أن يستطيعوا مثله، أو يجدوه لمن تقدمهم؟ أم ذلك شيء يتفق للشاعر، من كل مئة بيت يقولها، في بيت؟ ولعل [غير] الشاعر على قياس ذلك. وإذا كان لابد من الاعتراف بالثاني من الأمرين، وهو أن لا يكون إلا نادرا وفي القليل، فقد ثبت إعجاز القرآن بنفس ما راموا به دفعه، من حيث كان النظم الذي لا يقدر على مثله قد جاء منه فيما لا يصحى كثرة من المعاني.

وهكذا القول في الفصول التي ذكروا أنه لم يوجد أمثالها في معانيها1، لأنها لا تستمر ولا تكثر، ولكنك تجدها كالفصوص الثمينة والوسائط النفيسة وأفراد الجواهر2، تعد كثيرا حتى ترى واحدا. فهذا وشبهة من القول في دفعهم مع تسليم ما ظنوه من أن التحدي كان إلى أن يعبر عن معاني القرآن أنفسها ممكن غير متعذر، إلا أن الأولى أن يلزم الجدد الظاهر3، وأن لا يجابوا إلى ما قالوه من أن التحدي كان إلى أن يؤدي في أنفس معانيه بنظم وافظ

321

vol. 1 · p. 609

يشابهه ويساويه، ويجزم لهم القول بأنهم تحذوا إلى أن يجيئوا في أي معنى أرادوا مطلقا غير مقيد، وموسعا عليهم غير مضيق، بما يشبه نظم القرآن أو يقرب من ذلك.

ومما يحيل أن يكون التحدي قد كان إلى ما ذكروه ومع الشرط الذي توهموه، أن العرب قد كانت تعرف "المعارضة" ما هي وما شرطها، فلو كان النبي صلى الله عليه وسلم قد عدل بهم في تحديه لهم إلى ما لا يطالب بمثله، لكان ينبغي أن يقولوا: "إنك قد ظلمتنا، وشرطت في معارضة الذي جئت به ما لا يشترط، أو ما ليس بواجب أن يشترك، وهو أن يكون النظم الذي تعارض به في انفس معاني هذا الذي تحديت إلى معارضته، فدع عنا هذا الشرط، ثم اطلب فإنا نريك حينئذ مما قاله الأولون وقلناه وما نقوله في المستأنف، ما يوازي نظم ما جئت به في الشرف والفضل ويضاهيه، ولا يقصر عنه". وفي هذه كفاية لمن كانت له أذن نعي، وقلب يعقل.

قد ثم الذي أردت في جواب سؤالهم، وبان بطلانه بيانا لا يبقى معه إن شاء الله شك لناظر، وإذا هو نصح نفيه وأذكى حسه، ونظر نظر من يريد الدين، ويرجو مما عبد الله، ويريد فيما يقول ويعمل وجه تقدس أسمه~، وإليه تعالى ترغيب في أن يجعلنا ممن هذه صفته في كل ما ننتحيه وننظر فيه، بفضله ومنه ورحمته، إنه على ما يشاء قدير.

الحمد لله حق حمده، والصلاة على رسوله محمد وآله من بعده.

Ed. Mahmud Muhammad Shakir, Abu Fihr — Matba'at al-Madani, Cairo - Dar al-Madani, Jeddah — 3rd ed., 1413 AH - 1992 CE