236
vol. 1 · p. 453
الوجه الذي به كان القرآن معجزا، والوصف الذي به بان من كلام المخلوقين، من غير أن يكونوا قد قالوا فيه قولا يشفي من شاك غليلا، ويكون على علم دليلا، وإلى معرفة ما قصدوا إليه سبيلا1.
الردة على المعتزلة في مسألة "اللفظ":
واعلم أنه إذا نظر العاقل إلى هذه الأدلة فرأى ظهروها، استبعد أن يكون قد ظن ظان في "الفصاحة" أنها من صفة اللفظ صريحا، ولعمري إنه لكذلك ينبغي، إلا أنا إنما تنظر إلى جدهم وتشددهم وبتهم الحكم "بأن المعاني لا تتزايد، وإنما تتزايد الألفاظ"2، فلئن كانوا قد قالوا "الألفاظ" وهم لا يريدونها أنفسها، وإنما يريدون لطائف معان تفهم منها، لقد كان ينبغي أن يتبعوا ذلك من قولهم ما ينبئ عن غرضهم، وأن يذكروا أنهم عتوا بالألفاظ ضربا من المعنى، وأن غرضهم مفهوم خاص.
هذا، وأمر "النظم" في أنه ليس شيئا غير توخي معاني النحو فيما بين الكلم، وأن ترتب المعاني في أنه ليس شيئا غير توخي معاني النحو فيما بين الكلم، وأنك ترتب المعاني، أولا في نفسك، ثم تحذو على ترتيبها الألفاظ في نطقك، وأنا لو فرضنا أن تخلوا الألفاظ من المعاني، لم يتصور أن يجب فيها نظم وترتيب3 في غاية القوة والظهور، ثم ترى الذين لهجوا بأمر "اللفظ" قد أبوا إلا أن يجعلوا "النظم" في الألفاظ. ترى الرجل منهم يرى ويعلم أن الإنسان لا يستطيع أن يجيء بالألفاظ مرتبة إلا من بعد أن يفكر في
vol. 1 · p. 454
المعاني ويرتبها في نفسه على ما أعلمناك، ثم تفتشه فتراه لا يعرف الأمر بحقيقته، وتراه ينظر إلى حال السامع، فإذا رأى المعاني لا تقع مرتبة في نفسه إلا من بعد أن تقع الألفاظ مرتبة في سمعه، نسي حال نفسه، واعتبر حال من يمسع منه1. وسبب ذلك قصر الهمة، وضعف العناية، وترك النظر، والأنس بالتقليد. وما يغني وضوح الدلالة مع من لا ينظر فيها، وإن الصبح لملأ الأفق، ثم لا يراه النائم ومن قد أطبق جفنه؟
كلام العلماء في الفصاحة أكثره كالرمز والتعريض دون التصريح:
واعلم أنك لا ترى في الدنيا علما قد جرى الأمر فيه بديئا وأخيرا على ما جرى عليه في "علم الفصاحة والبيان".
اما البدئ، فهو أنك لا ترى نوعا من أنواع العلوم إلا وإذا تأملت كلام الأولين الذي علموا الناس، وجدت العبارة فيه أكثر من الإشارة، والتصريح أغلب من التلويج. والأمر في "علم الفصاحة" بالضد من هذا.
فإنك إذا قرأت ما قاله العلماء فيه، وجدت جله أو كله رمزا ووحيا، وكناية وتعريضا، وإيماء إلى الغرض من وجه لا يفطن له إلا من غلغل الفكر وأدق النظر، ومن يرجع من طبعه إلى ألمعية يقوى معها على الغامض، ويصل بها إلى الخفي، حتى كان بسلا حراما أن تتجلى معانيهم سافرة الأوجه لا نقاب لها2، وبادية الصفحة لا حجاب دونها، وحتى كأن الإفصاح بها حرام، وذكرها إلا على سبيل الكناية والتعريض غير سائغ.