219
vol. 1 · p. 423
وتأتي الطباع على الناقل
مزية على الذي يعقل من قولهم: "الطبع لا يتغير"، و "لا يستطيع أن يخرج الإنسان عما جبل عليه" وأن لا يرى لقول أبي نواس:
وليس الله بمستنكر ... أن يجمع العالم في واحد1
مزية على أن يقال: "غير بديع في قدرة الله تعالى أن يجمع فضائل الخلق كلهم في رجل واحد" ومن أداه قول يقوله إلى مثل هذا، كان الكلام معه محالا، وكنت إذا كلفته أن يعرف، كمن يكلف أن يميز بحوز الشعر بعضها من بعض، فيعرف المديد من الطويل، والبسيط من السريع2 من ليس له ذوق يقيم به الشعر من أصله.
وإن اعترف بأن ذلك يكون، قلنا له: أخبرنا عنك، أتقول في قوله:
وتأبى الطباع على الناقل
إنه غاية في الفصاحة؟ فإذا قال: نعم. قيل له: أفكان كذلك عندك من أجل حروفه، أم من أجل حسن ومزية حصلا في المعنى؟ فإن قال: من أجل حروفه: دخل في الهذيان وإن قال: من أجل حسن ومزية حصلا في المعنى، قيل له: فذاك ما أردناك عليه حين قلنا: إن اللفظ يكون فصيحا من أجل مزية تقع في معناه، لا من أجل جرسه وصداه.
"التشبيه"، يكشف شبهة المعتزلة:
واعلم أنه ليس شيء أبين وأوضح وأحرى أن يكشف الشبهة
vol. 1 · p. 424
عن متأمله في صحة ما قلناه1، من "التشبيه". فإنك تقول: "زيد كالأسد" أو "مثل الأسد" أو "شبيه بالأسد"، فتجد ذلك كله تشبيها غفلا ساذجا ثم تقول: "كأن زيدا الأسد"، فيكون تشبيها أيضا، إلا أنك ترى بينه وبين الأول بونا بعيدا، لأنك ترى له صورة خاصة، وتجدك قد فخمت المعنى وزدت فيه، بإن أفدت أنه من الشجاعة وشدة البطش، وأن قلبه قلب لا يخامره الذعر ولا يدخله الروع، بحيث يتوهم أنه الأسد بعينه ثم تقول: "لئن لقيته ليلقينك منه الأسد"، فتجده قد أفاد هذه المبالغة، لكن في صورة أحسن، وصفة أخص، وذلك أنك تجعله في "كأن"، يتوهم أنه الأسد، وتجعله ههنا يرى منه الأسد على القطع، فيخرج الأمر عن حد التوهم إلى حد اليقين ثم إن نظرت إلى قوله:
أإن أرعشت كفا أبيك وأصبحت ... يداك يدي ليث فإنك غالبه2
وجدته قد بدا لك في صورة أنق وأحسن ثم إن نظرت إلى قول أرطاة ابن سهية:
إن تلقني لا ترى غير بناظرة ... تنس السلاح وتعرف جبهة الأسد3
وجدته قد فضل الجميع، ورأيته قد أخرج في صورة غير تلك الصور كلها.