205
vol. 1 · p. 401
ذلك أفسد على نفسه، وأبطل أن يكون متكلما، لأنه لا يكون متكلما حتى يستعمل أوضاع لغة على ما وضعت عليه1.
وإذا ثبت في حاله أنه لا يستطيع أن يصنع بالألفاظ شيئا ليس هو لها في اللغة، وكنا قد اجتمعنا على أن "الفصاحة" فيما نحن فيه، عبارة عن مزية هي بالمتكلم البتة وجب أن تعلم قطعا وضورة أنهم وإن كانوا قد جعلوا "الفصاحة" في ظاهر الاستعمال من صفة اللفظ، فإنهم لم يجعلوها وصفا له في نفسه، ومن حيث هو صدى صوت ونطق لسان، ولكنهم جعلوها عبارة عن مزية أفادها المتكلم في المعنى، لأنه إذا كان اتفاقا أنها عبارة عن مزية أفادها المتكلم، ولم نره أفاد في اللفظ شيئا، لم يبق إلا أن تكون عبارة عن مزية أفادها المتكلم، ولم نره أفاد في اللفظ شيئا، لم يبق إلا أن تكون عبارة عن مزية أفادها في المعن2.
"فصاحة اللفظ"، لا تكون مقطوعة بل موصولة بغيرها مما يليها:
وجملة الأمر أنا لا نوجب "الفصاحة" للفظة مقطوعة مرفوعة من الكلام الذي هي فيه، ولكنا نوجبها لفها موصولة بغيرها، ومعلقا معناها بمعنى ما يليها. فإذا قلنا في لفظة "اشتعل" من قوله تعالى: {واشتعل الرأس شيبا} [مريم: 4]، إنها في أعلى رتبة من الفصاحة3، لم توجب تلك
vol. 1 · p. 402
"الفصاحة" لها وحدها، ولكن موصولا بها "الرأس" معرفا بالألف واللام، ومقرونا إليهما "الشيب" منكرا منصوبا.
هذا، وإنما يقع ذلك في الوهم لمن يقع له أعني أن يوجب الفصاحة للفظة وحدها1 فيما كان "استعارة"، فأما ما خلا من الاستعارة من الكلام الفصيح البليغ، فلا يعرض توهم ذلك فيه لعاقل أصلا.
أفلا ترى أنه لا يقع في نفس من يعقل أدنى شيء، إذا هو نظر إلى قوله عز وجل: {يحسبون كل صيحة عليهم هم العدو فاحذرهم} [المنافقون: 4]، وإلى إكبار الناس شأن هذه الآية في الفصاحة، أن يضع يده على كلمة كلمة منها فيقول: "إنها فصيحة؟ " كيف؟ وسبب الفصاحة فيها أمور لا شك عاقل في أنها معنوية:
أولها: أن كانت "على" فيها متعلقة بمحذوف في موضع المفعول الثاني.
والثاني: أن كانت الجملة التي هي "هم العدو" بعدها عارية من حرف عطف.
والثالث: التعريف في "العدو" وأن لم يقل: "هم عدو".
ولو أنك علقت "على" بظاهر، وأدخلت على الجملة التي هي "هم العدو" حرف عطف، وأسقطت "الألف والألام" من "العدو" فقلت: "يحسبون كل صيحة واقعة عليهم، وهم عدو"، لرأيت الفصاحة قد ذهبت