Skip to content

Books to be read, not browsed

204 — دلائل الإعجاز في علم المعاني

From ⁧دلائل الإعجاز في علم المعاني⁩ by ⁧أبو بكر عبد القاهر بن عبد الرحمن بن محمد الفارسي الأصل، الجرجاني الدار⁩ — leaf 398 of 670.

204

vol. 1 · p. 399

الصواب ولم يستمر الآخر، ولا يكون هذا تفاضلا في الإعراب، ولكن تركا له في شيء، واستعمالا في آخر، فاعرف ذلك.

وجملة الأمر أنك لا ترى ظنا هو أنأى بصاحبه عن أن يصح له كلام، أو يستمر له نظام، أو تثبت له قدم، أو ينطق منه إلا بالمحال فم1، من ظنهم هذا الذي حام بهم حول "اللفظ"، وجعلهم لا يعدونه، ولا يرون للمزية مكانا دونه.

قوله: "إن الفصاحة تكون في المعنى" ورد شبهة المعتزلة وغيرهم في فهم ذلك

واعلم أنه قد يجري في العبارة منا شيء، هو يعيد الشبهة جذعة عليهم، وهو أنه يقع في كلامنا أن "الفصاحة" تكون في المعنى دون اللفظ، فإذا سمعوا ذلك قالوا: كيف يكون هذا، ونحن نراها لا تصلح صفة إلا للفظ، ونراها لا تدخل في صفة المعنى البتة، لأنا نرى الناس قاطبة يقولون: "هذا لفظ فصيح، وهذه ألفاظ فصيحة"، ولا نرى عاقلا يقول: "هذا معنى فصيح، وهذه معان فصاح". ولو كانت "الفصاحة" تكون في المعنى، لكان ينبغي أن يقال ذلك، كما أنا لما كان الحسن يكون فيه قيل: "هذا معنى حسن، وهذه معان حسنة".

وهذا شيء يأخذ من الغر مأخذا: والجواب عنه أن يقال: إن غرضنا من قولنا: "إن الفصاحة تكون في المعنى"، أن المزية التي من أجلها استحق اللفظ الوصف بأنه "فصيح"، هي في المعنى دون اللفظ، لأنه لو كانت بها المزية التي

vol. 1 · p. 400

من أجلها يستحق اللفظ الوصف بأنه فصيح، تكون فيه دون معناه1، لكان ينبغي إذا قلنا في اللفظة: "إنها فصيحة"، أن تكون تلك الفصاحة واجبة لها بكل حالي. ومعلوم أن الأمر بخلاف ذلك، فإنا نرى اللفظة تكون في غاية الفصاحة في موضع، ونراها بعينها فيما لا يحصى من المواضع وليس فيها من الفصاحة قليل ولا كثير2. وإنما كان كذلك، لأن المزية التي من أجلها نصف اللفظ في شأننا هذا بأنه فصيح، مزية تحدث من عبد أن لا تكون، وتظهر في الكلم من بعد أن يدخلها النظم. وهذا شيء إن أنت طلبته فيها وقد جئت بها أفرادا لم ترم فيها نظما، ولم تحدث لها تأليفا، طلبت محالا. وإذا كان كذلك، وجب أن يعلم قطعا وضورة أن تلك المزية في المعنى دون اللفظ.

وعبارة أخرى في هذا بعينه، وهي أن يقال: قد علمنا علما لا تعترض معه شبهة: أن "الفصاحة" فيما نحن فيه، عبارة عن مزية هي بالمتكلم دون واضع اللغة. وغذا كان كذلك، فينبغي لنا أن ننظر إلى المتكلم، هل يستطيع أن يزيد من عند نفسه في اللفظ شيئا ليس هو له في اللغة، حتى يجعل ذلك من صنيعه مزية يعبر عنها بالفصاحة؟ وإذا نظرنا وجدناه لا يستطيع أن يصنع باللفظ شيئا أصلا، ولا أن يحدث فيها وصفا. كيف؟ وهو إن فعل.

Ed. Mahmud Muhammad Shakir, Abu Fihr — Matba'at al-Madani, Cairo - Dar al-Madani, Jeddah — 3rd ed., 1413 AH - 1992 CE