5
vol. 1 · p. 38
1 فقيل لنا: قد سمعنا ما قلتم، فخبرونا عنهم، عما ذا عجزوا؟ أعن معان من دقة معانيه وحسنها وصحتها في العقول؟ أم عن ألفاظ مثل ألفاظه؟ فإن قلتم: "عن الألفاظ"، فماذا أعجزهم من اللفظ، أم ما بهرهم منه؟
فقلنا: أعجزتم مزايا ظهرت لهم في نظمه، وخصائص صادفوها في سياق لفظه، وبدائع راعتهم من مبادئ آيه ومقاطعها2، ومجاري ألفاظها ومواقعها، وفي مضرب كل مثل، ومساق كل خبر3، وصورة كل عظة وتنبيه، وإعلام وتذكير، وترغيب وترهيب، ومع كل حجة وبرهان، وصفة وتبيان4 وبهرهم أنهم تأملوه سورة سورة، وعشرا عشرا، وآية آية، فلم يجدوا في الجميع كلمة ينبو بها مكانها، ولفظة ينكر شانها، أو يرى أن غيرها أصلح هناك أو أشبه، أو أحرى وأخلق، بل وجدوا اتساقا بهر العقول، وأعجز الجمهور، ونظاما والتئاما، وإتقانا وإحكاما، لم يدع في نفس بليغ منهم، ولو حك بيافوخه السماء، موضع طمع، حتى خرست الألسن عن أن تدعي وتقول، وخذيت القروم فلم تملك أن تصول5.
6
vol. 1 · p. 39
نعم، فإذا كان هذا هو الذي يذكر في جواب السائل، فبنا أن ننظر: أي أشبه بالفتى في عقله ودينه، وأزيد له في علمه ويقينه1، أن يقلد في ذلك، ويحفظ من الدليل وظاهر لفظه، ولا يبحث عن تفسير المزايا والخصائص ما هي؟ ومن أين كثرت الكثرة العظيمة، واتسعت الاتساع المجاوز لوسع الخلق وطاقة البشر؟ وكيف يكون أن تظهر في ألفاظ محصورة، وكلم معدودة معلومة، بأن يوتى ببعضها في إثر بعض، لطائف لا يحصرها العدد، 2 ولا ينتهي بها الأمد؟ أم أن يبحث عن ذلك كله، ويستقصي النظر في جميعه، ويتتبعه شيئا فشيئا، ويستقصيه بابا فبابا، حتى يعرف كلا منه بشاهده ودليله، وتعلمه بتفسيره وتأويله، ويوثق بتصويره وتمثيله3، ولا يكون كمن قيل فيه:
يقولون أقوالا ولا يعلمونها ... ولو قيل هاتوا حققوا لم يحققوا4
قد قطعت عذر المتهاون، ودللت على ما أضاع من حظه، وهديته لرشده، وصح أن لا غنى بالعاقل عن معرفة هذه الأمور، والوقوف عليها،