175
vol. 1 · p. 355
إليه. ويقول في الثاني: إنا قد وضعنا الشيء في موضعه، وطلبنا الأمر من جهته، حين استعنا بك فيما عرض من الحاجة1، وعولنا على فضلك، كما أن من عول على الطبيب فيما يعرض له من السقم، كان قد أصاب التعويل موضعه، وطلب الشيء من معدنه.
ثم إن العجب في أن هذا التعريض الذي ذكرت لك، لا يحصل من دون "إنما". فلو قلت: "يتذكر أولو الألباب"، لم يدل ما دل عليه في الآية، وإن كان الكلام لم يتغير في نفسه، وليس إلا أنهن ليس فيه "إنما"2.
والسبب في ذلك أن هذا التعريض، إنما وقع بأن كان من شأن "إنما" أن تضمن الكلام معنى النفي من بعد الإثبات، والتصريح بامتناع التذكر ممن لا يعقل. وإذا أسقطت من الكلام فقيل: "يتذكر أولوا الألباب"، كان مجرد
176
vol. 1 · p. 356
وصف لأولي الألباب بأنهم يتذكرون، ولم يكن فيه معنى نفي للتذكر عمن ليس منهم. ومحال أن يقع تعريض لشيء ليس له في الكلام ذكر1، ولا فيه دليل عليه. فالتعريض بمثل هذا أعني بأن تقول: "يتذكر أولو الألباب" بإسقاط "إنما"، يقع إذن إن وقع، بمدح إنسان بالتيقظ، وبأنه فعل ما فعل، وتنبه لما تنبه له، لعقله وحلسن تمييزه، كما يقال: "كذلك يفعل العاقل"، و "هكذا يفعل الكريم".
وهذا موعض فيه دقة وغموض، وهو مما لا يكاد يقع في نفسه أحد أنه ينبغي أن يتعرض سبببه، ويبحث عن حقيقة الأمر فيه.
ومما يجب لك أن تجعله على ذكر منك من معاني "إنما"، ما عرفتك أولا من أنها قد تدخل في الشيء على أن يخيل فيه المتكلم أنه معلوم، ويدعي أنه من الصحة بحيث لا يدفع دافع، كقوله:
إنما مصعب شهاب من الله2
ومن اللطيف في ذلك قول قتب بن حصن3:
ألا أيها الناهي فزارة بعد ما ... أجدت لغزو، إنما أنت حالم4