Skip to content

Books to be read, not browsed

161 — دلائل الإعجاز في علم المعاني

From ⁧دلائل الإعجاز في علم المعاني⁩ by ⁧أبو بكر عبد القاهر بن عبد الرحمن بن محمد الفارسي الأصل، الجرجاني الدار⁩ — leaf 329 of 670.

161

vol. 1 · p. 330

يسمع ويعقل مايقال له ويدعى إليه، وأن من لم يسمع ولم يعقل لم يستجب. وكذلك معلوم أن الإنذار إنما يكون إنذارا ويكون له تأثير، إذا كان مع من يؤمن بالله ويخشاه ويصدق بالبعث والساعة، فأما الكافر الجاهل، فالإنذار وترك الإنذار معه واحد. فهذا مثال ما الخبر فيه خبر بأمر يعلمه المخاطب ولا ينكره بحال.

وأما مثال ما ينزل هذه المنزلة، 1 فكقوله:

إنما مصعب شهاب من ... الله تجلت عن وجهه الظلماء2

ادعى في كون الممدوح بهذه الصفة، أنه أمر ظاهر معلوم للجميع، على عادة الشعراء إذا مدحوا أن يدعوا في الأوصاف التي يذكرون بها الممدوحين أنها ثابتة لهم، وأنهم قد شهروا بها، وأنهم لم يصفوا إلا بالمعلوم الظاهر الذي لا يدفعه أحد، كما قال:

وتعدلني أفناء سعد عليهم ... وما قلت إلا بالذي علمت سعد3

وكما قال البحتري:

لا أدعي لأبي العلاء فضيلة ... حتى يسلمها إليه عداه4

ومثله قولهم: "إنما هو أسد"، و "إنما هو نار"، و "إنما هو سيف

162

vol. 1 · p. 331

صارم"، إذا أدخلوا "إنما" جعلوا ذلك في حكم الظاهر المعلوم الذي لا ينكر ولا يدفع ولا يخفى.

وأما الخبر بانلفي والإثبات نحو: "ما هذا إلا كذا"، و "إن هو إلا كذا"، فيكون للمر ينكره المخاطب ويشك فيه. فإذا قلت: "ما هو إلا مصيب" أو: "ما هو إلا مخطئ"، قلته لمن يدفع أن يكون الأمر على ما قلت، وإذا رأيت شخصا من بعيد فقلت: "ما هو إلا زيد"، لم تقله إلا وصاحبك يتوهم أنه ليس بزيد، وأنه إنسان آخر، ويجد في الإنكار أن يكون "زيدا".

وإأذا كان الأمر ظاهرا كالذي مضى، لم تقله كذلك، فلا تقول للرجل ترقفه على أخيه وتنبهه للذي يجب عليه من صلة الرحم ومن حسن التحاب1: "ما هو إلا أخوك" وكذلك لا يصلح في "إنما أنت والد": "ما أنت إلا والد"، فأما نحو: "إنما مصعب شهاب"، فيصلح فيه أن تقول: "ما مصعب إلا شهاب"، لأنه ليس من المعلوم على الصحة، وإنما ادعى الشاعر فيه أنه كذلك، وإذا كان هذا هكذا، جاز أن تقول بالنفي والإثبات، إلا أنك تخرج المدح حينئذ عن أن يكون على حد المبالغة، من حيث لا تكون قد ادعيت فيه أنه معلوم، وأنهبحيث لا ينكره منكر، ولا يخالف فيه مخالف.

Ed. Mahmud Muhammad Shakir, Abu Fihr — Matba'at al-Madani, Cairo - Dar al-Madani, Jeddah — 3rd ed., 1413 AH - 1992 CE