Skip to content

Books to be read, not browsed

155 — دلائل الإعجاز في علم المعاني

From ⁧دلائل الإعجاز في علم المعاني⁩ by ⁧أبو بكر عبد القاهر بن عبد الرحمن بن محمد الفارسي الأصل، الجرجاني الدار⁩ — leaf 323 of 670.

155

vol. 1 · p. 324

بيان في "إن" ومجيئها للتأكيد:

ثم إن الأصل الذي ينبغي أن يكون عليه البناء، هو الذي دون في الكتب، من أنها للتأكيد، وإذا كان قد ثبت ذلك، فإذا كان الخبر بأمر ليس للمخاطب ظن في خلافه البتة، ولا يكون قد عقد في نسه أن الذي تزعم أنه كائن غير كائن، وأن الذي تزعم أنه لم يكن كائن فأنت لا تحتاج هناك إلى "إن"، وإنما تحتاج إليها إذا كان له ظن في الخلاف، وعقد قلب على نفي ما ثبت أو إثبات ما ننفي. ولذلك تراها تزداد حسنا إذا كان الخبر بأمر يبعد مثله في الظن، وبشيء قد جرت عادة الناس بخلافه، كقول أبي نواس:

عليك باليأس من الناس ... إن غنى نفسك في الياس1

فقد ترى حسن موقعها، وكيف قبول النفس لها، وليس ذلك إلا لأن الغالب على الناس أنهم لا يحملون أنفسهم على اليأس، ولا يدعون الرجاء والطمع، ولا يعترف كل أحد ولا يسلم أن الغنى في اليأس. فلما كان كذلك، كان الموضع موضع فقر إلى التأكيد، فلذلك كان من حسنها ما ترى.

ومثله سواء قول محمد بن وهب:

أجارتنا إن التعفف بالياس ... وصبرا على استدرار دنيا بإبساس

حريان أن لا يقذفا بمذلة ... كريما وأن لا يحوجاه إلى الناس

أجارتنا إن القداح كواذب ... وأكثر أسباب النجاح مع الياس2

156

vol. 1 · p. 325

هو: كما لا يخفى، كلام مع من لا يرى أن الأمر كما قال، بل ينكره ويعتقد خلافه. ومعلوم أنه لم يقله إلا والمرأة تحدوه وتبعثه على التعرض للناس، وعلى الطلب.

"إن"، ومجيئها في التهكم، وشرطها إذا كانت في جواب سائل:

ومن لطيف مواقعها أن يدعى على المخاطب ظن لم يظنه، ولكن يراد التهكم به، وأن يقال: "إن حالك والذي صنعت يقتضي أن تكون قد ظننت ذلك". ومثال ذلك الأول:

جاء شقيق عارضا محه، ... إن بني عمك فيهم رماح1

يقول: إن مجيئه هكذا مدلا بنفسه وبشجاعته قد وضع رمحه عرضا، دليل على إعجاب شديد، وعلى اعتقاد منه أنه لا يقوم لهأحد، حتى كأن ليس مع أحد منا رمح يدفعه به، وكأنا كلنا عزل.

وإذا كان كذلك، وجب إذا قيل أنها جواب سائل، أن يشترط فيه أن يكون للسائل ظن في المسئول عنه على خلاف ما أنت تجيبه به. فأما أن يجعل مجرد الجواب أصلا فيه فلا، لأنه يؤدي إلى أن لا يستقيم لنا إذا قال الرجل: "كيف زيد؟ " أن تقول: "صالح"، وإذا قال: "أين هو؟ " أن تقول: "في الدار" وأن لا يصح حتى تقول: "إنه صالح"، "وإنه في الدار"، وذلك ما لا يقوله أحد.

Ed. Mahmud Muhammad Shakir, Abu Fihr — Matba'at al-Madani, Cairo - Dar al-Madani, Jeddah — 3rd ed., 1413 AH - 1992 CE